رواية ارتواء الروح الفصل الثامن والأخير: نهاية سعيدة
كانت ونس تجلس كعادتها في الآونة الأخيرة، هادئة ومنعزلة عن العالم، منشغلة بخيوط الكروشيه التي أصبحت ملاذها الوحيد من التفكير. وفجأة، دوّى طرق عنيف على الباب، فانتفضت من مكانها، والتقطت حجابها ووضعته على رأسها، ثم أسرعت نحو الباب وفتحت.
لكنها ما إن رأته حتى تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بدهشة، وهمست بصوت مرتجف:
— أنس!
أخذ أنس نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء، محاولًا السيطرة على أعصابه المشتعلة. كانت الدماء تغلي في عروقه، وكان بداخله شعوران متناقضان؛ أحدهما يريد أن يوبخها على ما فعلته، والآخر يشتاق إليها بشدة، ويتمنى لو يضمها إلى صدره ويطمئن قلبه بوجودها بين ذراعيه.
تأملها بملامح جامدة ونظرات حادة، ثم قال بنبرة باردة:
— طب كويس إنك لسه فاكرة اسمي!
ابتلعت ونس ريقها بصعوبة، ثم سألته بقلق:
— أمير هو اللي قالك على مكاني؟
ازدادت ملامحه شراسة، وقبض على معصمها بقوة، وهزها بعنف وهو يقول بغضب:
— طبعًا الهانم ما كانتش عايزاه يقول لي، عشان تعيش الدور أكتر، صح؟ هاتي شنطتك ويلا نمشي من هنا، ونتكلم هناك.
نظرت إليه بتحدٍّ، تحاول إخفاء اضطرابها خلف برود مصطنع، وقالت:
— معاك على فين؟! اللي بينا انتهى، والدبلة أنا سبتها خلاص. لو سمحت امشي، ما يصحش وقفتك كده.
طحن أنس أسنانه، فقد كان يرى الصراع الذي تحاول إخفاءه خلف عينيها. ابتسم بسخرية وقال:
— في بيت عند نونا، ولا تحبي أدخل هنا، وحد يشوفني وبعد كده يظن فينا ظن وحش؟ القرار قرارك.
لم تجد ونس ما ترد به، فأطرقت برأسها، بينما انتظرها أنس بنفاد صبر، وكأنه يخشى أن تتراجع عن الذهاب معه.
ما إن وصلت ونس إلى منزل أنس حتى أسرعت نوال نحوها، ولم تتمالك نفسها وهي تعاتبها بدموع متجمعة في عينيها:
— بقى كده يا ونس؟ تمشي ولا كأن ليا قيمة عندك؟
غامت عينا ونس بالدموع. لقد افتقدت نوال كثيرًا، فهي لم تبخل عليها يومًا بمشاعر الأمومة والحنان، لكن ونس كانت ترى نفسها عاجزة عن تغيير ما حدث، وظنت أن الابتعاد هو الحل الوحيد.
قالت بصوت متهدج:
— والله بُعدي عنك كان على عيني، بس أنا ما حبيتش أكون سبب في مصايب ليكم.
كان قلب أنس يتمزق وهو يراها تبكي أمام والدته. أراد أن ينتزعها من بين ذراعي أمه ويضمها إليه، ليهدئ اشتياقه الذي عذبه طوال الشهرين الماضيين، لكنه قاوم رغبته بصعوبة.
ضيقت نوال عينيها، ثم قالت بنبرة مازحة محاولة تخفيف الأجواء:
— مصايب إيه بس؟! طب إن كنتِ طفشتي عشان الواد طار منه عقلتين!
انطلقت من أنس ضحكة ساخرة خشنة، ثم عقد حاجبيه وقال:
— طار منه عقلتين؟! بس تصدقي ممكن، ليه لأ؟!
لكن ونس لم تبتسم كعادتها؛ فقد ظل الحزن يثقل قلبها، ولم تستطع مجاراة مزاحهما.
نظرت إليها نوال بحنان، ثم قالت بحسم:
— بما إنك رجعتي، وأنس جه طلبك مني، وأنا قلت له بنتي، وفي الآخر مشيتي من ورايا، فأنا دلوقتي بقول لك: هتتجوزيه آخر الشهر ده، ومفيش كلام تاني!
أمسك أنس يد والدته وقبّلها بفرحة عارمة، وقال:
— يسلم بؤك! كده بقيتي أمي بجد، مش مرات أبويا!
تسارعت نبضات قلب ونس، وشعرت وكأن دقات قلبها تهز كيانها من الداخل. هزت رأسها نافية، وقالت بسرعة:
— لأ، لأ! أنا رجعت، آه، لكن جواز لأ، أنا مش موافقة!
ساد الصمت لثوانٍ، وتبادلت العيون النظرات بدهشة، قبل أن يقطع أنس الصمت قائلًا:
— معلش يا أمي، ممكن كوبايتين شاي؟
رمقته نوال بنظرة متفهمة، ثم حملت نفسها إلى المطبخ وهي تدعو الله أن يصلح حالهما ويجمع بينهما على خير.
أما أنس، فنهض وجلس على المقعد المقابل لونس، ثم نظر إليها باستفهام وقال:
— إنتِ إيه حكايتك بقى؟ ممكن أفهم؟! هو أنا عشان سكت على هروبك، ولا فعلًا مش عاجبك بعد موضوع العقلتين؟
قاطعته ونس، وقد انهمرت الدموع من عينيها:
— لأ طبعًا، لأ! أنا بُعدت عشان التعب اللي سببته لك.
نظر إليها أنس بقلب موجوع، وقال بصراحة:
— وأنا ما تعبنيش غير بُعدك عني يا ونس. ما تعبنيش غير إني ما كنتش عارف إنتِ فين، ولا إيه اللي بيحصل معاكي.
ثم اقترب قليلًا، ولم يستطع مقاومة العتاب الذي ظل حبيس صدره طوال تلك المدة، فسألها:
— طب قلبك طاوعك حتى ما تسأليش عني؟!
أجابته بسرعة، وكأنها تسابق الكلمات حتى تبرئ نفسها من تلك التهمة:
— لا والله! ده أنا كنت بموت، وكل شوية أسأل أمير عليك. كنت هتجنن عليك، يا ريتني كنت أنا مكانك!
ما إن خرجت الكلمات من فمها حتى أدركت ما اعترفت به، فعضت على شفتيها ندمًا، بينما ظل أنس ينظر إليها في حالة من الذهول، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة ماكرة.
قال بخبث:
— دا إنتِ واقعة بقى! أومال إيه جو مفيش جواز ده؟! الجواز آخر الشهر، لعلمك. عشان لو عملت اللي في دماغي دلوقتي وإنتِ بشكلك ده، تتاكلي. بصراحة، أمي هتفرج عليَّ الشارع!
رفعت ونس عينيها إليه بذهول، وقالت:
— شارع إيه يا واد اللي هيتفرج عليك؟! ولااا، إنت هتعمل إيه؟!
وفي تلك اللحظة، عادت نوال تحمل صينية الشاي، ووضعتها على الطاولة وهي تنظر إلى أنس بشك:
— أممم، يعني عرفت أقنعها خلاص؟! إنتِ ما تعرفيش حالته كانت عاملة إزاي من غيرك. كان ماشي في الدنيا زي اللي عقله طار، وقلبي كان واجعني عليه. بأمانة، لو ما كنتيش رجعتي، ما كنتش هسامحك؛ لأن حالة أنس كانت تصعب على الكافر. حتى الورشة اللي روحه فيها سابها، وما رضيش ينزلها.
اتسعت عينا أنس من اعترافات والدته، فأطلق زفرة طويلة وقال:
— كفاية بقى، كفاية يا نبع الحنان! أنا هقوم أنزل الورشة وأجهز للفرح قبل ما ترجعي في كلامك!
كانت ونس تتجنب النظر إليه، فقد شعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجهها بسبب ما كشفته والدته عن حاله خلال فترة غيابها.
أما أنس، فظل يتأملها مستمتعًا بخجلها والحمرة التي غزت وجنتيها. وحين رفعت عينيها أخيرًا، التقت نظراتهما في لحظة صامتة، فانتهز انشغال والدته بتقليب أكواب الشاي، وأرسل إلى ونس قبلة في الهواء قبل أن يغادر.
شهقت ونس، وعضت على شفتيها، ثم همست:
— وقح... وقح أوي!
التفتت إليها نوال، وضيقت عينيها متسائلة:
— ميييين ده اللي وقح يا ونس؟
ارتبكت ونس، ثم أجابتها بسرعة:
— الناموس! الناموس وقح أوي يا ماما. عن إذنك، رايحة الحمام!
وانطلقت من مكانها هاربة من نظرات نوال المتشككة.
مرت الأيام كالبرق، وانقضى الشهر سريعًا، حتى جاء اليوم الذي انتظره أنس بكل شوق.
جلس في مشيخة الأزهر، يردد خلف الشيخ كلمات عقد القران، والسعادة تملأ قلبه. وبين الحين والآخر، كان يلتفت إلى ونس، التي بدت فاتنة بفستانها السكري، وقد امتزج الخجل بفرحتها في ملامحها.
وُضع دفتر عقد الزواج أمامها، فترددت للحظات، ونظرت إلى أنس بعينين قلقتين. ابتسم لها مطمئنًا، وكأنه يخبرها أن القادم أجمل، وأن كل ما عاشاه من ألم لن يكون سوى ذكرى بعيدة.
هزت ونس رأسها، ثم أمسكت القلم ووقّعت اسمها على الصفحة البيضاء.
وبذلك، انتهت مراسم عقد القران، ليقول الشيخ مباركًا لهما:
— بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
أطلقت نوال زغرودة ملأت المكان فرحًا، بينما اندفع أنس نحو ونس واحتضنها بقوة، وكأنه يريد أن يخفيها بين ضلوعه، حتى لا يستطيع شيء في الدنيا أن يبعدها عنه مرة أخرى.
كان قلب ونس يقرع بجنون، ولم تصدق أن الحياة التي ظنت يومًا أنها أغلقت أبوابها في وجهها، قد منحتها أخيرًا فرصة جديدة للسعادة.
همس أنس في أذنها:
— مبروك يا مراتي... يا أم عيالي في المستقبل!
اقترب أمير منهما وهو يصفق بسعادة، وقال:
— مبرووووك يا زعامة! ألف مبروك!
التفت إليه أنس بملامح جامدة، وقال ببرود مصطنع:
— أمييير، هو أنا قلت لك إنك مرفود؟ أصل الخصم مش هينفع معاك!
زفر أمير بحنق، ورد عليه:
— ده بدل ما تشكرني! أنا صاحب الفرحة دي كلها!
جز أنس على أسنانه وهو يواصل مشاكسته، بينما كانت ونس في عالم آخر، تشعر وكأنها تعيش حلمًا جميلًا لم تتخيل يومًا أن يتحول إلى حقيقة.
لقد أصبح الرجل الذي أحبته زوجها أخيرًا، وأصبح بإمكانها أن تتمسك به دون خوف من أن يكون وجودها في حياته سببًا في ألمه.
في شقتهما، وقفت ونس في منتصف البهو، تقبض بأصابعها على فستانها، وتطالع الأرض بخجل.
اقترب منها أنس، ورفع وجهها بيده حتى يتمكن من النظر إلى عينيها الرماديتين اللتين تلألأتا بالشغف. ثم أحاط خصرها بذراعه، فارتجف جسدها من لمسته، وابتسم حين شعر بارتباكها.
قال بمكر:
— مش عايزة تقولي لي حاجة؟!
أجابته بتلعثم، محاولة التملص من بين ذراعيه:
— آه... آه، أحضّر لك العشا.
رفع أحد حاجبيه ساخرًا، وقال:
— عشا؟! ليه، هي نبع الحنان كانت مقصرة معايا في الأكل؟! يا ست، حاجة تانية... فكري كده!
تمتمت ونس وهي تحاول الإفلات منه:
— طب أنا هروح أغيّر.
لكن صوته أوقفها في مكانها، حين قال بصدق:
— بحبك يا ونس.
نزلت كلماته على قلبها كالصاعقة، فتخشبت في مكانها، وأخذت تطالع عينيه اللامعتين، وكأنها تسمع اعترافه للمرة الأولى.
اقترب منها وضمها إلى صدره، فلم تستطع كبح سعادتها أو إخفاء شوقها إليه أكثر من ذلك. أسندت رأسها على صدره واستكانت بين ذراعيه، ثم همست بكل ما يحمله قلبها من حب:
— إنت كل حياتي يا أنس. ماليش حد غيرك في الدنيا. بحبك... بحبك يا أنس.
قبّل جبينها بحنان، ثم مرر يده على ظهرها، قبل أن يتوقف فجأة ويصيح بحدة:
— فين السوستة؟! السوستة فين يا هانم؟!
ابتعدت عنه ونس بقلق، ونظرت إليه باستغراب:
— سوستة إيه يا أنس؟ مالك؟!
ثم تراجعت خطوات إلى الخلف، وقد ظنت أن شيئًا قد أغضبه:
— مالك يا أنس؟ في إيه؟ سوستة إيه؟!
تنهد بحرارة، وهز رأسه بيأس مصطنع، ثم قال:
— الفستان من غير سوستة ليه يا هانم؟! أومال أنا المفروض أساعدك في إيه؟! مفيش معلومات خالص في التاريخ كده! أكيد ده اختيار أمي، صح؟!
صرخت ونس وقد أدركت مقصده:
— أنسسسس! خضتني! إنت وقح أوي أوي!
ضحك بمشاكسة، ثم قال:
— هشششش، كفاية ضيّعتي التاريخ! نركز بقى في الأحياء، مش هنقضيها رغي!
حملها بين ذراعيه وضمها إلى صدره، ثم غمز لها بطرف عينه وقال:
— السفالة كنز لا يفنى! إنتِ ما تعرفيش المقولة دي ولا إيه؟! وبعدين خدي بالك، أنا لو ما كنتش وقح كده النهارده، الناس هتاكل وشي، وأولهم نبع الحنان! وأنا مش ناقص فضايح في المنطقة.
اتجه بها نحو الفراش، لكنها صرخت فجأة:
— يخربيت الوقاحة! هنصلي الأول، عشان ربنا يبارك لنا في حياتنا!
أومأ أنس موافقًا، وقال مازحًا:
— لا، نصلي عشان ربنا يبارك لنا، صح. وأشكو إليه أني اتصدمت في فرحي إن مفيش سوستة!
انتهيا من الصلاة، ثم اقترب منها أنس مرة أخرى، يحملها برفق ويهمس في أذنها بكلمات الغزل والحب، حتى أصبحت زوجته شرعًا، وبدأت معًا صفحة جديدة من حياتهما.
في الصباح، كانت ونس نائمة إلى جوار أنس، ورأسها مستقر على صدره، بينما يضمها إليه بذراعه. لم تستطع حتى الآن استيعاب ما حدث معها خلال الفترة الأخيرة؛ فالزواج من أنس كان يومًا حلمًا بعيدًا، وها هو الآن حقيقة تعيشها بكل تفاصيلها.
رفعت يدها ببطء، وأخذت تمرر أناملها على وجهه بحب، تتأمل ملامحه الهادئة وهو نائم، وكأنه شخص آخر تمامًا، لا يشبه الرجل الذي أمطرها بالأحاديث المشاكسة في الليلة الماضية.
انفلتت منها ضحكة خفيفة، ففتح عينيه ونظر إليها بشقاوة.
— ده إيه الصباح ده؟! وإيه الضحكة دي؟! طب ضحّكيني معاكي!
ارتبكت ونس، وأخفت وجهها في صدره، ثم تمتمت:
— ضحكة... عادي! هو مينفعش؟
مد يده وأحاط خصرها، ثم جذبها إليه قائلًا:
— لا، حيث كده، نضحك مع بعض بقى!
لكن قبل أن يكمل مشاكستهما، دوّى طرق عنيف على الباب.
أغمضت ونس عينيها بألم، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. عادت إليها الذكريات القديمة، وعاد معها ذلك الشعور بأن حظها قد يلاحقها مرة أخرى، حتى في أكثر لحظاتها سعادة.
ازداد الطرق على الباب، وازدادت ونس انكماشًا على نفسها، فشعر أنس بخوفها وأشفق عليها.
أمسك وجهها بين كفيه، ونظر إلى عينيها مطمئنًا:
— اهدي، مفيش حاجة. هروح أفتح وأشوف مين. ده تلاقيه الواد أمير، أكيد بيهزر. البسي إسدالك.
نهض واتجه إلى الباب، بينما بقيت ونس خلفه تراقب خطواته بقلق.
فتح أنس الباب، فوجد والدته تقف أمامه، ودموعها تنهمر بغزارة، وهي تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة.
اتسعت عيناه، وسارع إلى إفساح الطريق لها.
— خير يا أمي؟! في إيه؟! مالك يا حبيبتي؟ تعالي اقعدي، مالك؟
دخلت نوال، ثم وقفت في زاوية الغرفة تبكي بصمت، وتحاول كبح شهقاتها. كانت كلماتها متعثرة، وصوتها مبحوحًا من شدة البكاء.
قالت بصعوبة:
— هروح... أنا... مش مصدقة يا ابني... هروح أخيرًا!
تجاوزت أنس، واتجهت مباشرة نحو ونس، ثم أمسكت بيديها وقالت بفرحة اختلطت بدموعها:
— يا وش الخير! الحج بقالّي ست سنين بحاول فيه، والنهارده ردوا عليّ! هروح أزور الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام!
ما إن سمعت ونس كلماتها حتى شحب وجهها، واختل توازنها، وسقطت على الأرض فاقدة الوعي.
هرع أنس إليها مذعورًا، وجثا بجوارها يحاول إفاقتها، بينما وقفت نوال تنظر إليها بقلق.
وبعد دقائق، بدأت ونس تستعيد وعيها ببطء، وفتحت عينيها بصعوبة، ثم همست:
— هي ماما قالت إيه؟!
نظرت إليها نوال بدهشة، ثم أجابت:
— بقول لك هروح أحج إن شاء الله يا وش الخير!
أما أنس، فلوى فمه ساخرًا، ثم قال:
— لا، وجت في وقتها يا نبع الحنان، عشان تدعي لنا بالذرية الصالحة! أصل بعد الخضة والدخلة دي، هي قطعت الخلف!
رمقته نوال بنظرة محذرة، بينما اعتدلت ونس في جلستها، ثم ابتسمت بصدق وقالت:
— مبروك يا ماما، فرحت لك من قلبي!
كانت سعادتها من أجل نوال حقيقية، فقد عرفت منها مقدار السنوات التي انتظرت فيها هذه الفرصة، ولم تكن تتمنى لها إلا الخير.
فقد أدركت أخيرًا أن الخير الذي يقدمه الإنسان لا يضيع، وأن الإحسان قد يعود إليه في صورة لم يتوقعها يومًا.
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
اقترب أنس من والدته، وضمها بحب، ثم قال:
— إنتِ تستاهلي كل خير يا أمي، قلبك أبيض. مبروك عليكي.
ابتسمت نوال وسط دموعها، بينما جلست ونس تتأمل المشهد بقلب مطمئن، وقد شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أنها أصبحت جزءًا من عائلة تحبها وتحبها بصدق.
لقد عادت إلى أنس، ووجدت في قلبه وطنًا لم يعد يخيفها فقدانه، بعدما أدركت أن الحب الحقيقي لا يكتفي بالوعود، بل يمنح الإنسان الأمان والقدرة على البدء من جديد.
طريقة تعاملك مع الآخرين تعكس مدى إنسانيتك؛ فأكثر العلاقات ثراءً هي تلك التي تكون فيها نافعًا للآخرين. فكل حرف تنطق به يجد صداه في نفوس من حولك، إما مساعدةً تترك أثرًا طيبًا، وإما أذى يترك جرحًا لا يُنسى.
**تمت رواية ارتواء الروح بحمد الله.
قارئ شغوف
21 أكتوبر 2026