رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية إرتواء الروح البارت الثاني - حكاية ونس وأنس

سارة فتحي
مؤلف العمل
الخط:
رواية إرتواء الروح البارت الثاني - حكاية ونس وأنس
بين جروح الماضي وقسوة الوحدة، بتحاول ونس تبدأ حياة جديدة في القاهرة، لكن ذكرياتها المؤلمة لسه بتطاردها. وسط حنان الحاجة نوال ومواقفها الطريفة مع أنس، بيبدأ قلبه يتعلق بيها من غير ما يفهم السبب. ومع مرور الأيام، بيكتشف إن اهتمامه بيها بقى أكبر من مجرد شفقة، خصوصًا لما يشوف دموعها ويعجز عن تجاهل وجعها. فهل يقدر أنس يكون الأمان اللي ونس محتاجاه، ولا أسرار ماضيها هتكون عائق قدام بداية حب جديد؟

أشد أنواع القسوة مش دايمًا بتكون في الأفعال، ساعات بتكون في فكرة بائسة بيحبس البشر جواها إنسان، ويحكموا عليه من غير ما يعرفوه، لمجرد إنهم صدّقوا أوهامهم.

وساعتها، القلوب بتبكي في صمت، والعيون بتخبي وجعها، لحد ما الروح نفسها تنسى يعني إيه أمان.


كانت ونس بتتحرك جوه الشقة بآلية، وكأنها بتنفذ خطوات محفوظة من غير ما تحس بحاجة حواليها. الأثاث كان قديم، لكنه ما فرقش معاها، ولا حتى فكرت في تفاصيل المكان.

كل اللي كانت محتاجاه دلوقتي هو شوية راحة وهدوء، بعيد عن أي صوت أو نظرة تفكرها بالماضي. كانت ناوية تبدأ من بكرة رحلة البحث عن شغل، يمكن تلاقي مصدر رزق تعيش منه وتقدر تعتمد على نفسها.

دخلت الأوضة، وقفلت الباب وراها، وبعدها ارتمت على السرير، ودفنت وشها في المخدة.

وفجأة، انفجرت في البكاء.

كانت بتحاول تكتم صوتها، لكن الوجع اللي جواها كان أكبر من قدرتها على التحمل. دموعها كانت دايمًا ملجأها الوحيد، والطريقة اللي بتقدر بيها تطلع جزء من القهر اللي متراكم جواها.

هو من العدل إنها تتحمل عواقب كل حاجة بتحصل للناس اللي حواليها؟!

ليه كل مصيبة لازم يكون ليها ذنب فيها، حتى لو ما عملتش أي حاجة؟!

وليه الناس بتصر تحاسبها على أوهامهم، من غير ما يحاولوا يفهموها أو حتى يسمعوا منها؟!

تكورت على نفسها، وضمت المخدة لصدرها، وكأنها بتحاول تعوض نفسها عن حضن اتحرمت منه من زمان.

ومع شدة الإرهاق النفسي والجسدي، غلبها النوم بعد دقائق قليلة، ودموعها لسه سايبة أثرها على خدودها.


على الجانب الآخر، كان أنس قاعد على طاولة الطعام بعد ما خلص شغله في الورشة، بيتناول عشاه بشرود، من غير ما يكون مركز في الأكل اللي قدامه.

كانت الحاجة نوال بتراقبه من وقت للتاني، وملاحظة إن ابنها مش على طبيعته. فضلت مستنية شوية، ولما لقت شروده بيزيد، ما قدرتش تسكت أكتر من كده.

بصت له باستغراب وسألته:

— مالك يا أنس يا ابني؟! فيه حاجة حصلت في الورشة؟!

انتبه أنس لصوتها، ورفع عينيه ليها، وبعدها ابتسم ابتسامة بسيطة وقال:

— لأ يا ست الكل، مش الورشة. بصراحة، أنا بفكر في اللي اسمها ونس دي.

قطبت الحاجة نوال جبينها باستفهام، بينما هو كمل كلامه:

— مش عارف أنا عملت الصح لما جبتها هنا ولا لأ. يعني، مش عارف إذا كان كل اللي حكيتهولك ده حقيقي، ولا فيه حاجة تانية إحنا ما نعرفهاش.

بصت له أمه بعتاب، وقالت باستنكار:

— طب ما دمت قلقان كده، جبتها ليه من الأول؟!

وبعدين هزت راسها وهي بتكمل:

— بس والله يا أنس، البنت شكلها غلبانة أوي. ومع كل الحلاوة والجمال اللي فيها، باين عليها إنها شافت أيام صعبة. أنا خبطت عليها كذا مرة من شوية، وفضلت مستنية لحد ما فتحت لي. خدت لها الغدا، وقلت حرام تفضل لوحدها من غير ما تاكل.

سكتت لحظة، وبعدها أضافت بنبرة مليانة شفقة:

— البنت كانت مش مصدقة نفسها إني جايبالها أكل. نظرتها كانت غريبة أوي يا أنس، كأنها مش متعودة إن حد يعمل معاها حاجة حلوة من غير مقابل.

أومأ أنس برأسه، وملامحه بقت أكثر جدية وهو بيقول:

— أنا كمان مستغرب. إزاي واحدة بكل البراءة دي الناس تقول عليها إنها نحس ووشها وحش؟! بس برضه يا ست الكل، لازم ناخد حذرنا. إحنا لسه ما نعرفهاش كويس.

هزت الحاجة نوال راسها بتفهم، وما علقتش أكتر من كده.

أنهى أنس أكله، وقام من مكانه، وبعدها خرج للشرفة وهو شايل كوب الشاي الساخن في إيده.

وقف مستندًا على السور، وبدأ يرتشف من الشاي على مهل، مستمتع بهدوء الليل بعد يوم طويل من الشغل.

لكن فجأة، اتجمدت عينيه على المشهد اللي قدامه.

كانت ونس واقفة في الشرفة المقابلة، لابسة حجابها بإهمال بسيط، وظهرت منه خصلات من شعرها النحاسي، اللي كان لونه أشبه بألسنة اللهب.

فضل يبصلها للحظات من غير ما يحس بالوقت.

كانت جميلة بشكل يخطف النظر، وملامحها الرقيقة بتديها شبه قطعة حلوى شهية، لكن اللي شد انتباهه أكتر من جمالها هو الحزن اللي ساكن عينيها.

زفر بهدوء، وهو بيفكر في حجم المعاناة اللي ممكن تكون عاشتها علشان توصل للحالة دي.

إزاي بنت زيها، المفروض الدنيا تفرحها وتدللها، تعيش كل الوجع ده؟!

حاول يصرف نظره عنها، لكنه لقى نفسه بيرجع يبصلها من جديد، لحد ما انتبه للمقهى الموجود أسفل البناية.

اتغيرت ملامحه، وكأنه فجأة لاحظ حاجة ما كانتش في باله قبل كده.

حمحم بصوت واضح، علشان يلفت انتباهها لوجوده.

التفتت ونس ناحية الصوت، وأول ما شافته، اتبدلت ملامحها، وسرعان ما استدارت علشان تدخل الشقة.

لكن صوته أوقفها قبل ما تختفي:

— ونس!

وقفت مكانها بتردد، من غير ما تبص له مباشرة.

كمل أنس كلامه بنبرة هادية، محاولًا يختار كلماته بعناية:

— يا رب تكوني مرتاحة هنا. بس معلش، فيه حاجة عايز ألفت نظرك ليها، ومش قصدي أي حاجة وحشة، والله.

سكت لحظة، وبعدها أشار ناحية الشارع وقال:

— فيه قهوة تحت البناية، والناس بتقعد قدامها طول اليوم. فالأفضل بلاش تقفي في البلكونة بالشكل ده، علشان ما تتعرضيش لكلام يضايقك.

خفضت ونس رأسها بسرعة، وحست بحرارة بتصعد لوشها، وعينيها بدأت تلمع بالدموع.

هي ما كانتش تقصد تعمل حاجة غلط، ولا كانت تعرف أصلًا إن وقفتها ممكن تتفهم بالشكل ده.

كل اللي كانت بتدور عليه هو شوية هوا، تحس بيهم إنها لسه عايشة، وإن الدنيا بره الأوضة مش كلها ضلمة.

لكنها ما كانتش عايزة تكون مصدر إزعاج لأي حد، وبالأخص الناس اللي فتحوا لها بيتهم من غير ما يعرفوها.

همست بصوت خافت، قبل ما تدخل بسرعة:

— حاضر... أنا آسفة لو عملت حاجة غلط ومكنتش واخدة بالي.

اختفت من قدامه في ثوانٍ، وسابته واقف مكانه، مش عارف يلوم نفسه ولا يستغرب رد فعلها.

مرر صوابعه في خصلات شعره، ورفع حاجبيه باستنكار وهو بيتمتم:

— دي كانت هتعيط! لا، وكمان بتقول لي آسفة لو عملت حاجة غلط!

تنهد بضيق، وبعدها هز راسه وهو بيكلم نفسه:

— شكل الأيام الجاية هتبقى مليانة مفاجآت!


في صباح اليوم التالي...

خرجت ونس من باب الشقة، وهي لسه حاسة إن نظرات أهل قريتها وهمساتهم بتلاحقها في كل مكان.

كانت بتحاول تقنع نفسها إنها خلاص بعدت عنهم، وإن مفيش حاجة تقدر ترجعها لنفس العذاب تاني، لكن الذكريات كانت أقوى من محاولاتها.

تنهدت بعمق، وحاولت تفكر بإيجابية، وتبث جواها شوية أمل يمكن يساعدوها تكمل يومها.

اتجهت ناحية السلم، لكن قبل ما تنزل، سمعت صوت بينادي عليها.

استدارت، فشافت الحاجة نوال واقفة قدام باب الشقة، وعلى وشها ابتسامة بشوشة.

ابتسمت لها نوال بحنان وقالت:

— صباح الخير يا حبيبتي. على فين كده من بدري؟!

اتسمرت ونس مكانها للحظات، وما عرفتش ترد.

صباح الخير؟!

هو فيه خير أصلًا في حياتها؟!

وبعدين، يا ترى الست دي لسه فاكرة كلامها عن إنها نذير شؤم؟! ولا ندمت إنها دخلتها بيتها؟!

أسئلة كتير جت في بالها، وخوف قديم بدأ يتسلل لقلبها من جديد.

خفضت رأسها، ونزلت أول درجة من السلم، وهي بتهمس:

— صباح الخير.

لاحظت الحاجة نوال ترددها، لكنها ما استسلمتش لسكوتها، ونادتها مرة تانية:

— رايحة فين على الصبح بدري كده؟! ومالك مش بتردي عليّا ليه؟!

حاولت ونس ترسم ابتسامة شاحبة على وشها، وقالت:

— معلش، ماخدتش بالي. أنا بس نازلة أدور على شغل.

اقتربت منها الحاجة نوال، وابتسامتها لسه منورة وشها، وقالت:

— طب ده لسه بدري يا بنتي! تعالي ادخلي نفطر سوا، وبعد كده انزلي براحتك.

هزت ونس راسها برفق، وردت بصوت هادي فيه مسحة حزن:

— لا، شكرًا أوي. لازم أنزل علشان ألحق.

لكن الحاجة نوال ما ادتهاش فرصة ترفض، ومدت إيدها تمسك إيدها وتسحبها ناحية الشقة، وهي بتقول بحزم أمومي:

— إيه حكاية شكرًا دي؟! إنتِ لازم تقعدي تفطري معانا. مفيش اعتراض عندي، سامعة؟! أنا زي والدتك، وما يصحش تقولي لي لأ!

تركتها ودخلت ناحية المطبخ، وهي بتكمل تجهيز الفطار.

أما ونس، فقعدت على الأريكة في صمت، ومشاعر كتير متضاربة بتتحرك جواها.

كانت مستغربة من تصرفات الست دي؛ إزاي بتعاملها بالحب والحنان ده كله، وهي لسه ما تعرفش عنها حاجة؟!

وليه مش خايفة منها، زي ما خالتها كانت بتخاف منها وبتبعد عنها؟!

ورغم كل الأسئلة اللي بتدور في دماغها، ما قدرتش تمنع إحساس دافي من التسلل لقلبها.

كانت الحاجة نوال بتفكرها بحنان أمومي افتقدته من سنين، حنان كانت محتاجاه أكتر من أي حاجة في الدنيا.

بدأت ملامحها تلين، ورفعت عينيها تتأمل أركان البيت، وكأنها بتحاول تحفظ تفاصيل المكان اللي يمكن يكون أول مكان تحس فيه بالأمان.


في الوقت نفسه، كان أنس لسه خارج من النوم.

قام من على السرير، لابس بنطلون قطني أسود، ومن غير قميص كعادته في بيته، وبعدها خرج من أوضته بخطوات متثاقلة، بيحاول يطرد النعاس من عينيه وهو بيدور على أمه.

لكن فجأة، قطع هدوء الصباح صوت صرخة عالية.

اتسعت عينيه بصدمة، واندفع ناحية مصدر الصوت، ليجد ونس واقفة قدامه، وهي بتصرخ بكل قوتها:

— يا نهار أبيض! إيه ده؟! إنت مين؟! فين أمي؟! جرالها حاجة؟! إنت إيه اللي جابك هنا؟!

أما أنس، فكان واقف مكانه مش فاهم أي حاجة.

بصت له ونس للحظة، وبعدها استدارت بسرعة وولته ضهرها، وهي بتهتف بحدة:

— إنت إزاي يا أستاذ يا محترم تخرج كده؟! إزاي يعني؟!

رمق أنس نفسه بنظرة سريعة، وفجأة استوعب إنه واقف قدامها عاري الصدر.

اتسعت عيناه من الصدمة، ومد إيده بسرعة ناحية سترته المرمية على المقعد، ولبسها على عجل، وهو بيقول بإحراج:

— خلاص، خلاص! أنا لبست أهو. بس إيه اللي حصل؟! وإنتِ بتصرخي كده ليه؟! أمي فين؟!

لكن ونس كانت لسه مغمضة عينيها بإحكام، ووشها احمر من شدة الإحراج، وهتفت بعصبية:

— إنت إزاي تخرج بالشكل ده؟! إنت مش شايف نفسك؟!

بصلها أنس، ولاحظ إنها لسه مغمضة عينيها، وإن حركتها العفوية وملامحها البريئة مخليين الموقف كله غريب بشكل ما قدرش يمنع نفسه من ملاحظته.

تنهد، وحاول يطرد الأفكار اللي بدأت تتسلل لدماغه.

كان على وشك يعتذر لها، لكنه افتكر فجأة إنه في بيته، وإنها هي الضيفة اللي دخلت عليه من غير ما يكون مستعد.

فعقد حاجبيه وقال بتهكم:

— على فكرة، إنتِ اللي في بيتنا، مش أنا اللي في بيتك! وطبيعي إني أنام براحتي في بيتي، ولا إيه؟!

سكتت ونس فجأة، وحست إنها فعلًا اتسرعت في رد فعلها، وإن الموقف محرج أكتر مما كانت متخيلة.

وفي اللحظة دي، خرجت الحاجة نوال من المطبخ مسرعة، بعد ما سمعت صوت الصراخ.

أول ما شافت ونس واقفة مغمضة عينيها، وأنس واقف قدامها لابس سترته على عجل، رفعت حاجبيها باستغراب وسألت:

— جرى إيه يا حبيبتي؟! بتصرخي ليه؟! مالك؟!

لكن أنس سبقها بالكلام، وبص لأمه بغيظ وقال:

— يا نبع الحنان، لما يكون عندنا ضيوف في الصالة، ما كنتِ تقولِي لي ليه؟! هااا؟! ولا أنا دكر بط عايش معاكي في البيت؟!

ضربت الحاجة نوال على صدرها، وبعدها انفجرت في الضحك وهي بتقول:

— يا لهوي! يووووه، نسيت يا أنس! والله نسيت!

وبعدين افتكرت حاجة، فصفقت بإيديها بحماس وقالت:

— على سيرة البط بقى، النهارده ونس معزومة عندي على بط!

أنس بص لها بصدمة، وكأنه مش مصدق اللي بيسمعه.

— بط إيه يا ماما؟! وإيه حكاية أمير دي كمان؟! بقولك مش كان لازم تقولِي لي إن عندنا ضيوف؟! وإنتِ عارفة أنا بنام إزاي!

لفت الحاجة نوال ناحيته، وربتت على كتف ونس بحنان، وبعدها بصت لابنها بغيظ وقالت:

— خلاص بقى يا واد! ما إنت سترت نفسك أهو! بلاش غلبة، ويلا علشان نفطر، وبعدها تنزل السوق تجيب لي الطلبات اللي ناقصة.

اتسعت عينا أنس، وفتح بقه من الصدمة، وبص لأمه وكأنه بيحاول يستوعب إزاي الموقف كله اتقلب عليه في ثوانٍ.

أما ونس، فكانت بتحاول تكتم ضحكتها، لكنها فشلت في النهاية.

انفلتت منها ابتسامة رقيقة، وظهرت غمازتها، فزادت ملامحها جمالًا وعفوية.

استدارت بسرعة ومشت ورا الحاجة نوال ناحية السفرة، قبل ما أنس يلاحظ ضحكتها.

لكنه كان لاحظها بالفعل.

فضل واقف مكانه، بيتابعها بعينيه لحد ما اختفت من قدامه، وقلبه بيدق بعنف غريب، مش فاهم سببه.

مرر إيده على وشه، وبعدها تمتم لنفسه:

— طب عليّا النعمة، البنت دي شكلها كانت عايشة مع بهايم! دي نحس إيه بس؟! أومال الست الحشرية اللي ساكنة تحت دي تبقى إيه؟! دي بتستجوبني كل يوم الصبح وبالليل!

هز راسه بيأس، وبعدها اتحرك ناحية السفرة، وهو بيحاول يقنع نفسه إن كل اللي بيحصل ده مجرد مواقف عابرة.

لكن الحقيقة إنه ما كانش عارف ليه وجود ونس بقى قادر يغير مزاجه بالشكل ده.


بعد ما خلصوا فطارهم، قامت ونس من مكانها، وابتسمت للحاجة نوال وهي بتقول بأدب:

— أنا استأذن بقى يا حاجة، علشان ألحق أدور على شغل.

وقبل ما نوال ترد، لقى أنس نفسه بيسألها من غير ما يفكر:

— إنتِ رايحة فين كده على الصبح؟!

ساد الصمت لثوانٍ.

رفع أنس عينيه، وكأنه هو نفسه مستغرب من السؤال اللي خرج منه.

أما الحاجة نوال، فالتفتت له بسرعة، ولكزته في كتفه وهي بتقول:

— رايحة تدور على شغل يا أخويا! إنت مالك؟! ما هي قالت لك أهي! يلا بقى، ما تتأخروش، إنت كمان لازم تلحق السوق وتجيب الطلبات قبل الغدا. ولا هتقعد تحكي طول النهار؟!

هزت ونس رأسها بخجل، وابتسمت ابتسامة صغيرة، وبعدها خرجت من الشقة.

قفلت الباب وراها، وهي لسه مستغربة من عفوية الحاجة نوال، ومن الطريقة اللي كانت بتتعامل بيها مع أنس، وكأنها بتحاول تحرجه في كل فرصة.

أما أنس، ففضل واقف مكانه، بيبص ناحية الباب بعد ما ونس خرجت، وهو حاسس بحاجة غريبة بتشد انتباهه ناحيتها.


مر اليوم ببطء، ونس خرجت تدور على شغل، لكنها رجعت في آخر النهار من غير أي نتيجة.

كانت بتمشي ناحية البناية بخطوات متثاقلة، وكل اللي شاغل بالها إنها هتضطر تكرر نفس الرحلة بكرة، وتفضل تلف في شوارع القاهرة الواسعة لحد ما تلاقي فرصة مناسبة.

كانت المدينة أكبر مما تخيلت، والبحث عن شغل أصعب مما توقعت، لكن ما كانش قدامها اختيار تاني.

لازم تلاقي مصدر رزق، ولازم تعتمد على نفسها، مهما كانت الظروف.

دخلت مدخل البناية، وهي غرقانة في شرودها، مش واخدة بالها من أي حاجة حواليها.

لكن أنس، اللي كان واقف في الورشة، لمحها وهي بتعدي قدامه.

رفع راسه، وتابعها بعينيه لحد ما اختفت عند مدخل البناية.

استغرب من نفسه.

هو إيه اللي بيحصل له؟!

ما شافش البنت دي غير مرتين تقريبًا، ومع ذلك بقت شاغلة تفكيره بالشكل ده.

بقى يلاحظ مواعيد خروجها ورجوعها من غير ما يقصد، وكل يوم يلاقي نفسه مستني يشوفها وهي رايحة أو جاية.

والنهارده، أول ما لمحها، ساب اللي في إيده وخرج وراها من غير ما يفكر.

كان جواه فضول كبير يعرف عنها أكتر، يعرف إيه اللي حصل لها، وإزاي وصلت للحالة دي، وليه نظرات الحزن ما بتفارقش عينيها.

صعد السلم بسرعة علشان يلحقها.

أما ونس، فكانت طلعت كام درجة، لكنها فجأة حست إن فيه حد ماشي وراها.

استدارت بسرعة، ومن غير ما تتأكد مين اللي وراها، رفعت شنطتها وضربته بيها فوق راسه بكل قوتها!

رفع أنس إيده بسرعة يحمي وشه، وصرخ فيها:

— إنتِ مجنونة؟!

اتجمدت ونس مكانها أول ما عرفت صوته.

عضت على شفايفها بإحراج، وحست إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها.

همست بخفوت:

— أنا آسفة... كنت فاكراك حرامي!

فضل أنس حاطط إيده على راسه مكان الخبطة، وبصلها بذهول، قبل ما يقول بتهكم:

— حرامي؟! حرامي إيه يا أختي؟! هو الحرامي هيدخل وراكي لحد البيت ليه؟! هو الحتة دي مفيهاش رجالة؟!

ردت ونس بعفوية شديدة، ومن غير ما تفكر في كلامها:

— آه!

اتسعت عينا أنس، وفتح بقه بصدمة، وهو بيهتف:

— نعممم؟!

أدركت ونس المعنى اللي وصل له من ردها، فهزت راسها بسرعة يمين وشمال، وهي بتقول بتوتر:

— لأ، قصدي آه يعني فيها رجالة! أنا آسفة، بس أنا فعلًا اتخضيت، وما كنتش أعرف إنك ورايا.

فضل أنس باصص لها للحظات، وبعدها انفردت شفايفه بابتسامة صغيرة، وهو بيحاول يخفي ضحكته.

مرر عينيه على ملامحها، وقال بنبرة أهدى:

— آه، افتكرت! على العموم، حصل خير.

رفعت ونس عينيها ناحيته للحظة، وشافته واقف قدامها، لابس تيشيرت رمادي وبنطلون أسود، وملامحه الرجولية الخشنة بتتناقض بشكل غريب مع طريقته الساخرة في الكلام.

لكن أول ما التقت عينيها بعينيه الداكنتين، ارتبكت، وحست إن دقات قلبها اتلخبطت من غير سبب مفهوم.

ابتلعت ريقها، وحاولت تبعد نظراتها عنه بسرعة.

همست بخجل:

— أنا آسفة تاني... عن إذنك.

ما استنتش رده، ولفت بسرعة وبدأت تطلع السلم، وصدرها بيعلو ويهبط، وكأنها كانت بتجري من حاجة مش قادرة تفهمها.

أما أنس، ففضل واقف مكانه يتابعها بعينيه لحد ما اختفت من قدامه.

رفع إيده وحطها على موضع قلبه، اللي كان بيدق بسرعة غريبة، وسأل نفسه بدهشة:

— معقول؟! طب إزاي؟! ولا إمتى حصل ده أصلًا؟!

سكت لحظة، وبعدها هز راسه وكأنه بيحاول يقنع نفسه بكلامه:

— لأ، لأ... دي أكيد صعبانة عليّا. أيوه، صعبانة عليّا وبس!

قالها بثقة مصطنعة، وبعدها نزل يكمل شغله، وهو مش مدرك إن قلبه بدأ يسبق عقله بخطوات كتير.


بعد مرور عدة أيام...

كان أنس واقف في ورشته الخاصة، منشغل بإصلاح إحدى السيارات، لكن عقله كان في مكان تاني تمامًا.

إيده بتشتغل، وعينيه على العربية، إنما أفكاره كلها كانت مع ونس.

بقى يلاحظها كل يوم وهي بتخرج الصبح بدري، وترجع في وقت العصر، وفضل يتابع مواعيدها من بعيد، من غير ما يتدخل في حياتها أو يسألها عن أي حاجة.

ومع مرور الأيام، بدأ فضوله يزيد.

كان نفسه يعرف إذا كانت لقت شغل ولا لسه، وإذا كانت بتاكل كويس، وإذا كانت مرتاحة في الشقة، ولا لسه حاسة إنها غريبة عن المكان.

لكنه في كل مرة كان بيحاول يقنع نفسه إنه مجرد قلق عادي على بنت غريبة عن البلد، وإنه مش من طبعه يسيب حد محتاج المساعدة من غير ما يطمن عليه.

لكن النهارده، كان فيه حاجة مختلفة.

الشمس بدأت تغيب، والوقت اتأخر، وونس لسه ما رجعتش.

حاول أنس يصرف تفكيره عنها، وركز انتباهه على العربية اللي بيصلحها، لكنه ما قدرش.

كل شوية كان يرفع راسه ويبص ناحية الشارع، مستني يشوفها جاية من بعيد.

ولما مر وقت أطول من المعتاد، ساب أدواته وقعد على الكرسي، وعينيه معلقة بالفراغ.

تنهد بعمق، وبدأ يفكر فيها من جديد.

كانت رقيقة أوي، وملامحها كلها براءة، لكن الحزن اللي جواها كان أكبر من إنه يتخبى.

وفجأة، رجع السؤال يطارده من جديد.

هو فعلًا الناس دي كانت بتقول عليها نحس لسبب؟!

قطب حاجبيه بضيق، ووبّخ نفسه على مجرد التفكير بالطريقة دي.

إزاي أصلًا يصدق إن فيه إنسان ممكن يكون وش خير أو وش شر؟!

هو الناس بقت تحكم على بعضها من غير عقل؟!

مجرد كلمة ممكن تدمّر حياة إنسان، وتخليه يصدق إنه سبب كل مصيبة بتحصل حواليه.

الفكرة نفسها كانت مستفزة بالنسبة له، وكل ما يفتكر كلام ونس عن أهل قريتها، يحس بغضب شديد تجاههم.

لكن فيه سؤال تاني كان بيشغل باله.

ليه زوجها طلّقها؟!

هل كان هو كمان مصدق إنها نحس؟! ولا فيه سبب تاني هي مش قادرة تحكيه؟!

فضل غرقان في أفكاره، لحد ما لمحها أخيرًا وهي بتدخل مدخل البناية.

رفع راسه بسرعة، وأول ما شافها، لاحظ إنها لابسة فستان أسود وحجاب أحمر، لكن ملامحها كانت أكثر حزنًا من المعتاد.

كانت ماشية بشرود، وعينيها باين عليهم أثر البكاء، وكأنها قضت يومها كله بتحاول تخبي وجعها عن الناس، لكنها في النهاية ما قدرتش.

نهض أنس بسرعة من مكانه، وساب الورشة وراها، واتجه ناحية البناية.

طلع السلم بخطوات سريعة، محاولًا يلحقها قبل ما تدخل الشقة.

أما ونس، فكانت بدأت تطلع الدرج، لكنها سمعت خطوات وراها، فاستدارت لتلاقيه بيصعد خلفها.

وقفت فجأة، وعقدت ذراعيها قدام صدرها، وبصت له باستفهام، وقالت بلهجة جافة:

— خيررر؟!

وقف أنس قدامها، وبلل شفتيه، قبل ما يسألها باهتمام واضح:

— ونس، مالك؟! شكلك زعلانة. فيه حاجة حصلت؟!

ردت باقتضاب، وهي بتستدير علشان تكمل طلوع السلم:

— ماليش. مش زعلانة. عن إذنك.

كانت نبرتها باردة، وكأنها بتحاول تقفل أي باب ممكن يخليه يسألها أكتر.

لكن أنس ما قدرش يتقبل ردها بالطريقة دي.

مد إيده ومسك معصمها، وجذبها برفق علشان يجبرها تستدير ناحيته، وقال بنبرة حازمة:

— لما أكلمك، تقفي وتردي عليّا! مالك يا ونس؟! إيه اللي حصل؟!

لكن بمجرد ما رفعت عينيها ناحيته، اتجمدت الكلمات على لسانه.

كانت دموعها بتنزل على خدودها بغزارة، وعينيها مليانة وجع حاولت تخبيه عنه، لكنها ما قدرتش.

لأول مرة، يشوفها بتبكي بالشكل ده قدامه.

اتبدلت ملامحه، واختفت نبرة الحدة من صوته، بينما عينيه فضلت معلقة بدموعها، وقلبه انقبض من منظرها.

كان عايز يسألها عن السبب، ويعرف مين اللي وجعها بالشكل ده، لكنه في اللحظة دي ما لقى أي كلمة مناسبة يقولها.

كل اللي قدر يعمله إنه يفضل باصص لها، مش قادر يفهم ليه دموعها وجعته هو كمان.

يتبع في الفصل الثالث ...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0