رواية رجال في الشمس بقلم غسان كنفاني
رواية رجال في الشمس | غسان كنفاني ️ بقلم الأديب الفلسطيني غسان كنفاني
ليست كل الروايات حكايات تُقرأ ثم تُنسى، فبعضها يترك في أعماقنا أسئلة لا نجد لها إجابات سهلة… ورواية «رجال في الشمس» واحدة من تلك الأعمال التي تبقى عالقة في الذاكرة طويلًا.
📖 تأخذنا هذه الرواية إلى رحلة ثلاثة رجال فلسطينيين، تختلف أعمارهم وظروفهم، لكنهم يجتمعون حول حلم واحد: البحث عن حياة أفضل بعيدًا عن الفقر واللجوء والحرمان. وفي رحلتهم، يرسم غسان كنفاني صورة مؤلمة لمعاناة الإنسان الفلسطيني، ويكشف عن ثقل الخيبة وقسوة الواقع حين يصبح الأمل محفوفًا بالمخاطر.
لماذا تستحق الرواية القراءة؟
- لأنها تجسد معاناة اللجوء الفلسطيني والبحث عن الكرامة.
- لأنها تطرح أسئلة عميقة حول الصمت والعجز والمسؤولية.
- لأنها تجمع بين السرد المؤثر والرمزية التي تجعل القارئ يفكر طويلًا بعد انتهاء القراءة.
عن الكاتب: غسان كنفاني أديب وصحفي فلسطيني، يُعد من أبرز كتّاب الأدب الفلسطيني المقاوم، وقد تركت أعماله أثرًا كبيرًا في الأدب العربي.
«رجال في الشمس» ليست مجرد رواية عن رحلة، بل حكاية عن أحلام الإنسان حين يصطدم بواقع قاسٍ، وعن الأسئلة التي يتركها الألم في النفوس.
هل سبق لكم قراءة رواية «رجال في الشمس»؟ وما أكثر فكرة بقيت في ذاكرتكم بعد قراءتها؟
الرواية:
أبو قيس
أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته ضربات قلب متعب، تطوف في ذرات الرمال مرتجّة ثم تعبر إلى خلاياه. في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب، كأنما قلب الأرض ما زال -منذ أن استلقى هناك أول مرة- يشق طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعماق أعماق الجحيم.
حين قال ذلك مرة لجاره الذي كان يشاطره الحقل هناك في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخراً: «هذا صوت قلبك أنت، تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض!»
أي هراء خبيث! والرائحة إذاً؟ تلك التي إذا استنشقها ماجت في جبينه ثم انهالت مهوّمة في عروقه؟ كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلقٍ فوقها، خُيّل إليه أنه يتنسّم شعر زوجته حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد. الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرجت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً. الخفقان ذاته، كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفوراً صغيراً.
«الأرض الندّية!» فكر: هي لا شك بقايا من مطر أمس... كلا، أمس لم تمطر. لا يمكن أن تمطر السماء الآن إلا قيظاً وغباراً. أنسيت أين أنت؟ أنا نسيت؟
دَوَّرَ جسده واستلقى على ظهره حاضناً رأسه بكفيه، وأخذ يتطلع إلى السماء. كانت بيضاء متوهجة، وكان ثمة طائر أسود يحلق عالياً، وحيداً على غير هدى. ليس يدري لماذا امتلأ فجأة بشعور أسِنٍ من الغربة، وحسب لوهلة أنه على وشك أن يبكي.
كلا، لم تمطر أمس، نحن في آب الآن. أنسيت كل تلك الطريق المنسابة في الخلاء كأنها الأبد الأسود؟ أنسيتها؟ ما زال الطائر يحوم وحيداً مثل نقطة سوداء في ذلك الوهج المترامي فوقه. نحن في آب، إذاً لماذا هذه الرطوبة في الأرض؟ إنه الشط، ألست تراه يترامى على مد البصر إلى جانبك؟ وحين يلتقي النهران الكبيران دجلة والفرات يشكلان نهراً واحداً اسمه شط العرب، يمتد من قبل البصرة بقليل إلى...
الاستاذ سليم العجوز النحيل الأشيب قال ذلك عشر مرات بصوته الرفيع لطفل صغير كان يقف إلى جانب اللوح الأسود، وكان هو مارّاً حينذاك حذاء المدرسة في قريته، فارتقى حجراً وأخذ يتلصص من الشباك. كان الأستاذ سليم واقفا أمام التلميذ الصغير، وكان يصيح بأعلى صوته وهو يهز عصاه الرفيعة: «وحين يلتقي النهران الكبيران دجلة والفرات...». وكان الصغير يرتجف هلعاً، فيما سرت ضحكات بقية الاطفال في الصف. مد يده ونقر طفلاً على رأسه، فرفع الطفل نظره إليه وهو يتلصص من الشباك: «ماذا حدث؟» ضحكت الطفلة وأجابتها: «إنه تيس!»
عاد فنزل عن الحجر وأكمل طريقه، وصوت الأستاذ سليم ما زال يلاحقه وهو يكرر: «وحين يلتقي النهران الكبيران...». وفي تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالساً في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته. كان قد أُرسِل لقريته في يافا كي يعلّم الصبية، وكان قد أمضى شطراً طويلاً من حياته في التعليم حتى صارت كلمة «أستاذ» جزءاً لا يتجزأ من اسمه. وفي الديوانية سأله أحدهم تلك الليلة: «وسوف تأمّ الناس يوم الجمعة، أليس كذلك؟» وأجاب الأستاذ سليم ببساطة: «كلا، إنني أستاذ ولست إماماً!» قال له المختار: «وما الفرق؟ لقد كان أستاذنا إماماً.» «كان أستاذ كُتّاب، أنا أستاذ مدرسة.» وعاد المختار يلحّ: «وما الفرق؟» لم يجب الأستاذ سليم، بل دَوَّر بصره من وراء نظارته فوق الوجوه كأنه يستغيث بواحد من الجالسين، إلا أن الجميع كانوا مشوشين حول هذا الموضوع مثل المختار. بعد فترة صمت طويلة تنحنح الأستاذ سليم وقال بصوت هادئ: «طيب، أنا لا أعرف كيف أصلي!» «لا تعرف؟ لا تعرف؟ لا تعرف؟» زأر الجميع، فأكد الأستاذ سليم مجدداً: «لا أعرف!»
تبادل الجلوس نظرات الاستغراب، ثم ثبتوا أبصارهم في وجه المختار الذي شعر بأن عليه أن يقول شيئاً، فاندفع دون أن يفكر: «وماذا تعرف إذاً؟» وكان الأستاذ سليم كأنه يتوقع مثل هذا السؤال إذ إنه أجاب بسرعة وهو ينهض: «أشياء كثيرة... إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلاً!»
وصل إلى الباب التفت، كان وجهه النحيل يرتجف: «إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع!»
ها هو إذاً الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات. ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.
يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم! يا رحمة الله عليك! لا شك أنك ذو حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود. ليلة واحدة فقط! يا الله، أَتُوجَد نعمة إلهية أكبر من هذا؟ صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك، ولكنك على أي حال بقيت هناك، بقيت هناك وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار.
يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم! ترى لو عشت، لو أغرقك الفقر كما أغرقني، أكنت تفعل ما أفعل الآن؟ أكنت تقبل أن تحمل سنينك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي تجد لقمة خبز؟
نهض واستند إلى الأرض بكوعيه، وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك. إذاً هذا هو شط العرب، نهر كبير تسير فيه البواخر المحملة بالتمر والقش، كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات. هكذا صاح ابنه قيس بسرعة حين سأله تلك الليلة: «ما هو شط العرب؟» كان يقصد أن يمتحنه، إلا أن قيساً صاح الجواب بسرعة وأردف قائلاً: «لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم!» التفت إلى زوجته فضحكت، أحس بشيء من الخجل وقال ببطء: «إنني أعرف ذلك من قبل.» «كلا، لم تكن تعرفه! عرفته اليوم وانت تطل من الشباك!» «طيب، وماذا يهمني أن أعرف ذلك أو لا أعرفه؟ هل ستقوم القيامة؟»
رمقته زوجته من طرف عينيها، ثم قالت: «اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى.» وحين صفق الباب خلفه، قالت لزوجها: «لا تحكِ أمامه بهذا الشكل! الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟» قام واقترب منها، ثم وضع كفه على بطنها وهمس: «متى؟» «بعد سبعة أشهر.» «أوف! نريد بنتاً هذه المرة.» «كلا، نريد صبياً، صبياً!»
ولكنها انجبت بنتاً، سماها «حسنة»، ماتت بعد شهرين من ولادتها، وقال الطبيب مشمئزاً: «لقد كانت نحيلة للغاية». كان ذلك بعد شهر من تركه قريته في بيت عتيق يقع في قرية اخرى بعيدة عن خط القتال.
«يا أبا قيس! أحس بأنني سألد!» «طيب... طيب، اهدئي!» وقال في ذات نفسه: بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل، فهذا وقت ولادة؟ «يا إلهي، ماذا سألد؟ أُنادِ شخصاً... أم عمر، أين أجدها الآن؟» «ناولني هذه الوسادة... أين أجد أم عمر يا إلهي؟» «ارفعني قليلاً، دعني أتكي على الحائط.» «لا تتحركي كثيراً، دعيني أنادي أم عمر! أسرعي... أسرعي يا رب الكون!»
أرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد وألصق أذنه فوق خشب الباب. صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج، والطائر الأسود ما زال يحوم على غير هدى.
قام ونفض التراب عن ملابسه، ووقف يحدق إلى النهر. أحس أكثر من أي وقت مضى بأنه غريب وصغير. مرر كفه فوق ذقنه الخشن، ونفض عن رأسه كل الافكار التي تجمعت كجيوش زاحفة من النمل. وراء هذا الشط، وراءه فقط، توجد كل الأشياء التي حُرِمَها. هناك توجد الكويت، الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور. يوجد هناك، لا بد أنها شيء موجود من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثل ما تهوم في رأسه المكتوب. لا بد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالاً ونساء وصغاراً يركضون بين الأشجار... لا، لا توجد أشجار هناك! سعد صديقه الذي هاجر إلى هناك واشتغل سواقاً وعاد بأكياس من النقود، قال إنه لا توجد هناك أية شجرة. الأشجار موجودة في رأسك يا أبا قيس، في رأسك العجوز التعب يا أبا قيس. عشر أشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتوناً وخيراً كل ربيع. ليس ثمة أشجار في الكويت، هكذا قال سعد، ويجب أن تصدق سعداً لأنه يعرف أكثر منك رغم أنه أصغر منك. كلهم يعرفون أكثر منك.
كلهم في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر، لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طريقهم وانت مُقْعٍ ككلب عجوز في بيت... ماذا تركت؟ أنت تنتظر أن تثقب الثروة سقف بيتك؟ بيتك؟ إنه ليس بيتك! رجل كريم قال لك: اسكن هنا، هذا كل شيء. وبعد عام قال لك: أعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياساً مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد، وبقيت مقعياً حتى جاءك سعد وأخذ يهزك مثل ما يهز الحليب ليصير زبداً.
«إذا وصلت إلى الشط بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة. البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء، لماذا لا تذهب؟»
سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما، وأخذت تهدد طفلها من جديد: «إنها مغامرة غير مامونة العواقب... غير مامونة العواقب!» أبو قيس يقول غير مامونة العواقب، ثم نظر إليها وقال: «زوجك غير مأمون العواقب! كأن الحياة شربة لبن. لماذا لا يفعل مثلنا؟ هل هو أحسن؟»
لم ترفع بصرها إليه، وكان هو يرجو ألا تفعل: «أتُعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ، حرام! ابنك قيس متى سيعود للمدرسة؟ وغداً سوف يكبر الآخر، كيف ستنظر إليه وأنت لما...؟» «طيب كفى!» «لا، لم يكفِ! حرام، أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك؟ ما رأيكِ أنتِ؟»
زوجته ما زالت صامتة. فكر هو: غداً سيكبر هو الآخر، ولكنه قال: «الطريق طويلة وأنا رجل عجوز، ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنتم... قد أموت.»
لم يتكلم أحد في الغرفة، زوجته ما زالت تهدد طفلها، وكف سعد عن الإلحاح، ولكن الصوت الغليظ انفجر في رأسه هو: تموت؟ من قال إن ذلك ليس أفضل من حياتك الآن؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك... قريتك!
أعاد نظره إلى زوجته: «ماذا ترين يا أم قيس؟» حدقت إليه وهمست: «كما ترى أنت.» «سيكون بوسعنا أن نعلم قيساً...» «نعم.» «وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين...» «طبعاً.» «وربما نبني غرفة في مكان ما...» «أجل، إذا وصلت...»
كفّ ونظر إليها، لقد عرف أنها سوف تبكي، سترتجف شفتها السفلى قليلاً ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويداً رويداً ثم تنزلق فوق خدها الغَطِشِ الأسمر. حاول أن يقول شيئاً ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه. غصة ذاق مثلها تماماً حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إلى الكويت. وقف أمامه حاملاً على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز أن يحملهما، وكان الصمت مطبقاً مطناً حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب: «إنها رحلة صعبة أقول لك، ستكلفك خمسة عشر ديناراً.» «وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟» «طبعاً ستصل سالماً، ولكن ستتعذب قليلاً أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل، ولكنك ستصل.»
كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس أنه إذا ما أجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه أن يلفظه مرة اخرى: «لقد سافرت آلافاً من الأميال كي أصل إليك، لقد أرسلني سعد... أتذكره؟ ولكنني لا أملك إلا خمسة عشر ديناراً، ما رأيك أن تأخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟» قطعه الرجل: «إننا لا نلعب! ألم يقل لك صديقك إن السعر محدود هنا؟ إننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم!» «ونحن أيضاً نضحي بحياتنا!» «إنني لا أجبرك على هذا، عشرة دنانير؟ خمسة عشر ديناراً، ألا تسمع؟»
لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه المتصبب عرقاً يحدق إليه بعينين واسعتين، وتمنى هو لو يكف الرجل عن التحديق. ثم أحس بها ساخنة تملا مؤقيه وعلى وشك أن تسقط. أراد أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل، فاستدار وانطلق إلى الشارع.
هناك بدات المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع، اتصل أفق النهار بالسماء، وصار كل ما حوله مجرد وهج أبيض لا نهائي. عاد فارتمى ملقياً صدره فوق التراب الندي الذي أخذ يخفق تحته من جديد، بينما انسابت رائحة الأرض إلى أنفه وانصبت في شرايينه كالطوفان.
أسعد
وقف أسعد أمام الرجل السمين صاحب المكتب الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، ثم انفجر: «خمسة عشر ديناراً سأدفعها لك، لا بأس، ولكن بعد أن أصل وليس قبل ذلك قط!» حدق إليه الرجل من وراء جفنيه السمينين وسأل ببلاهة: «لماذا؟» «لماذا؟ لأن الدليل الذي سترسلونه معنا سوف يهرب قبل أن نصل إلى منتصف الطريق. خمسة عشر ديناراً لا بأس، ولكن ليس قبل أن نصل!»
توالى أوراقاً صفراء أمامه وقال بلقمة: «أنا لا أجبرك على أي شيء، أنا لا أجبرك!» «ماذا تعني؟» «أعني أنه إذا لم تعجبك شروطنا فبوسعك أن تستدير وتخطو ثلاث خطوات وستجد نفسك في الطريق!»
الطريق؟ أَتُوجَد بعدُ طرق في هذه الدنيا؟ ألم يمسحها بجبينه ويغسلها بعرقه طوال أيام وأيام؟ كلهم يقولون ذلك: ستجد نفسك على الطريق.
قال له أبو العبد الذي هربه من الأردن إلى العراق: «ما عليك إلا أن تدور حول الاتش 4 (H-4)، لا بأس أن تضرب قليلاً إلى الداخل، أنت ما زلت فتى وبوسعك أن تتحمل قليلاً من القيظ، ثم عُدْ وستجدني بانتظارك على الطريق.» «ولكن هذا لم يكن من الشروط! لقد قلت لي ونحن في عمان إنك ستاخذني إلى بغداد، ودفعت لك عشرين ديناراً كاملاً، لم تقل لي إنني سأدور حول الاتش 4!»
ضرب أبو العبد جناح سيارته المغبرّ، فَعَلِمَت أصابعه الخمس وبان من تحتها لون السيارة الأحمر الفاقع. كانت السيارة الضخمة واقفة إلى جانب البيت في جبل عمان حين تفاوض معه، وهو يذكر تماماً كل الشروط التي قيلت: «إنها مهمة صعبة وسوف ياخذونني إلى السجن لو أمنسكوك معي، ورغم ذلك فسوف أقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت أعرف والدك رحمه الله، بل إننا قاتلنا سوياً في الرملة منذ عشر سنوات.»
صمت أبو العبد قليلاً، كان قميصه الأزرق ينضح بالعرق، وأعطاه وجهه الحاجّ شعوراً بأنه أمام واحد من أولئك الرجال الذين يعتقدون أن اجتراح معجزة ما هو واجب من واجبات رب العائلة. «سآخذ منك عشرين ديناراً وسوف تجد نفسك في بغداد.» «عشرين ديناراً؟» «نعم، وعليك أيضاً أن تساعدني طوال الطريق، سنبدأ بعد غد. عليّ أن أشحن سيارة صغيرة لرجل ثري في بغداد كان قد أمضى شطراً من الصيف في رام الله، ثم أراد أن يعود إلى بغداد بالطائرة.» «ولكن عشرين ديناراً...» نظر إليه أبو العبد بالحاح ثم انفجر: «إنني أنقذ حياتك بعشرين ديناراً! أتحسب أنك ستمضي عمرك مختفياً هنا؟ غداً يلقون القبض عليك!» «ولكن من أين... من أين أحضر لك عشرين ديناراً؟» «استدن، صديقك بوسعه أن يعطيك عشرين ديناراً إذا عرف بأنك ستسافر إلى الكويت.» «عشرون ديناراً... عشرون... عشرون إلى بغداد مباشرة!»
ولكنه كذب عليه، استغل براءته وجهله وخدعه. أنزله من السيارة بعد رحلة يوم قائظ، وخيل له أن عليه أن يدور حول (H-4) كي يتلافى الوقوع في أيدي رجال الحدود ثم يلتقيه على الطريق.
«لكنني لا اعرف هذه المنطقة! أتفهم أنت ما معنى أن أسير كل هذه المسافه حول (H-4) في عز الحر؟» ضرب أبو العبد جناح سيارته المغبرة مرة اخرى، كانا واقفين منفردين قبل ميل من (H-4)، وصاح: «ماذا تعتقد؟ اسمك مسجل في كل نقاط الحدود! إذا رأوك معي الآن: لا جواز سفر، ولا سمة مرور، ومتآمر على الدولة! ماذا تعتقد أنه سيحدث؟ كفاك دلالاً، إنك قوي كالثور وبوسعك أن تحرك ساقيك، سألقاك وراءُ على الطريق!»
كلهم يتحدثون عن الطرق، يقولون: تجد نفسك على الطريق، وهم لا يعرفون من الطريق إلا لونه الأسود وارصفته. وها هو الرجل السمين المهرب البصراوي يكرر القصة نفسها. «ألا تسمع؟ إنني رجل مشغول جداً، قلت لك خمسة عشر ديناراً وساوصلك إلى الكويت، طبعاً ما عليك إلا أن تمشي قليلاً، ولكنك فتى في غاية القوة لن يضيرك هذا.» «ولكن لماذا لا تصغي إليّ؟ قلت لك إنني ساعطيك المبلغ إذا وصلنا إلى الكويت.» «ستصل... ستصل!» «كيف؟» «إنني اقسم لك بشرفي أنك ستصل إلى الكويت.» «تقسم بشرفك؟» «أقسم لك بشرفي إنني سالتقيك وراءُ، ما عليك إلا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بانتظارك!»
لقد دار دورة كبيرة حول (H-4)، كانت الشمس تصب لهاباً فوق رأسه، وأحس فيما كان يرتقي الهاد الصفراء أنه وحيد في كل هذا العالم. جرجر ساقيه فوق الرمل كما لو أنه يمشي على رمل الشاطئ بعد أن سحب زورقاً كبيراً امتص صلابة ساقيه. اجتاز بقاعاً صلبة من صخور بنية مثل الشظايا، ثم صعد كثباناً واطئة ذات قمم مسطحة من تراب اصفر ناعم كالطحين.
ترى لو حملوني إلى معتقل الجفر الصحراوي هل سيكون الأمر ارحم مما هو الآن؟ عبث! الصحراء موجودة في كل مكان. كان أبو العبد قد أعطاه كوفية لف بها رأسه، ولكنها لم تكن ذات جدوى في رد اللهب. خُيّل إليه أنها آخذة هي الأخرى في الاحتراق. كان الأفق مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية، ولكنه كان قد عقد عزمه على المسير بجدّ، وحتى حينما انقلب التراب إلى صفائح لامعة من ورق أصفر لم يتباطأ. وفجأة بدأت الأوراق الصفراء تتطاير، فانحنى يلمها.
«شكراً... شكراً، إن هذه المروحة الملعونة تطير الأوراق من أمامي، ولكن دونها ليس بوسعي أن أتصل. ماذا قررت؟ هل أنت متاكد من أن الدليل الذي سترسله معنا لن يهرب؟» «كيف يهرب أيها الغبي؟ ستكونون أكثر من عشرة اشخاص، لن يكون بوسعه أن يهرب منكم.» «وإلى أين سيصل بنا؟» «حتى طريق الجهراء وراء المطلاع، وهناك ستكونون داخل الكويت.» «هل سنمشي كثيراً؟» «ست أو سبع ساعات فقط.»
بعد أربع ساعات وصل إلى الطريق، كان قد خلف (H-4) وراءه، وكان الشمس قد سقطت وراء التلال البنية، إلا أن رأسه كان ما يزال يلتهب، وخُيّل إليه أن جبينه يتصبب دما. لقد اقتعد حجراً وألقى بصره بعيداً إلى رأس الطريق الأسود المستقيم. كان رأسه مشوشاً تخفق فيه آلاف الأصوات المتشابكة، وبدا له أن بريق سيارة كبيرة حمراء في رأس تلك الطريق امر خيالي وسخيف. وقف يحدق إلى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه أن يرى بوضوح، أَتُرَاهُ الغسق أم العرق؟ كان رأسه ما يزال يطن مثل الخلية، وصاح بملء رئتيه: «أبو العبد... يلعن أبوه، يلعن أصله!»
«ماذا قلت؟» «أنا؟ لا شيء... لا شيء. متى ستبدأ الرحلة؟» «حال يصير عددكم عشرة. أنت تعرف ليس بوسعنا أن نرسل دليلاً مع كل واحد منكم، ولذلك فنحن ننتظر حتى يرتفع العدد إلى عشرة أشخاص ونرسل معهم دليلاً واحداً.» «هل ستعطيني النقود الآن؟» شد على النقود في جيبه وفكر: سوف يكون بوسعي أن أرد لعمي المبلغ في أقل من شهر. هناك في الكويت يستطيع المرء أن يجمع نقوداً في مثل لمح البصر.
«لا تتفاءل كثيراً، قبلك ذهب العشرات ثم عادوا دون أن يحضروا قرشاً. ورغم ذلك سأعطيك الخمسين ديناراً التي طلبتها، وعليك أن تعرف أنها جنى عمري.» «إذاً لماذا تعطيني النقود إذا كنتَ متأكداً من أنني لن أعيدها لك؟» «أنت تعرف لماذا... ألست تعرف أنني اريدك أن تبدأ؟ أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك أن تتزوج ندى؟ إنني لا أستطيع أن أتأمل ابنتي المسكينة تنتظر أكثر، هل تفهمني؟»
أحس الإهانة تجرح حلقه، ورغب في أن يرد الخمسين ديناراً لعمه، يقذفها بوجهه بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد. يزوجه ندى؟ من الذي قال إنه يريد أن يتزوج ندى لمجرد أن أباه قرأ معه الفاتحة حين ولد هو وولدت هي في يوم واحد؟ إن عمه يعتبر ذلك قدراً، بل إنه رفض مئة خاطب تقدموا ليتزوجوها وقال لهم إنها مخطوبة. أيها الشياطين! من الذي قال له إنه يريد أن يتزوجها؟ من قال له إنه يريد أن يتزوجها ابداً؟ وها هو الان يذكرهم مرة اخرى، يريد أن يشتريه لابنته مثل ما يُشرى كيس الروث للحقل!
شد على النقود في جيبه وتحفز في مكانه، ولكنه حين لمسها هناك في جيبه دافئة ناعمة شعر بأنه يقبض على مفاتيح المستقبل كله، فلو أتاح الآن لحنقه أن يسيطر عليه ليرجع النقود إلى عمه، إذاً لما تيسرت له قط فرصة الحصول على خمسين ديناراً بأي شكل من الاشكال. هدأ غضبه مطبقاً فمه بإحكام وشد أصابعه على النقود الملتفة في جيب بنطاله، ثم قال: «لا لا، سأسلمك النقود حالما تجهز الرحلة تماماً. سوف أراك مرة في كل يوم، إنني أنزل في فندق قريب.»
ابتسم الرجل السمين ثم تطاولت ابتسامته فانفجر ضاحكاً بصخب: «من الخير لك أن لا تضيع وقتك يا بني، كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا، لا تتعب نفسك. وعلى أي حال احتفظ بنقودك حتى تجهز الرحلة، أنت حر. ما اسم الفندق الذي تنزل فيه؟» «فندق الشط.» «فندق الجرذان!»
نط جرذ الحقل عبر الطريق، فلمعت عيناه الصغيرتان في ضوء السيارة، وقالت الفتاة الشقراء لزوجها المنهمك بالسياقة: «إنه ثعلب... رأيته!» قال الزوج الأجنبي ضاحكاً: «أوف منكم أيها النساء! تجعلن من الجرذ ثعلباً!»
كان قد التقطاه بعد الغروب بعد أن لوّح لهما وهما في سيارتهما الصغيرة، فلما أوقف الزوج السيارة أطل هو من النافذة. كان يرجف من فرط البرد وكانت الزوجة خائفة منه، إلا أنه جمع في ذهنه ما تعلمه من اللغة الانجليزية وقال: «لقد اضطر صديقي أن يعود إلى السيارة وتركني...» قاطعه الرجل: «لا تكذب! أنت هارب من هناك. لا بأس، اصعد سأوصلك إلى بعقوبة.»
كان المقعد الخلفي مريحاً، وناولته الفتاة بطانية التف بها، وكان لا يستطيع أن يعرف بالضبط هل هو يرجف بسبب البرد الصحراوي أم بسبب الخوف أم بسبب التعب؟ وقال الرجل: «هل مشيت كثيراً؟» «لست أدري، ربما أربع ساعات.» «لقد تركك الدليل أليس كذلك؟ إن ذلك يحدث دائماً.»
التفتت إليه الفتاة وسألته: «لماذا تهربون من هناك؟» أجابها زوجها: «إنها قصة طويلة. قل لي: هل تجيد قيادة السيارات؟» «نعم.» «بوسعك أن تاخذ مكاني بعد أن تستريح قليلاً، قد أستطيع أن أساعدك على عبور مركز الحدود العراقية. سنصل هناك في الثانية بعد منتصف الليل وسيكون المسؤولون نياماً.»
لم يكن يستطيع أن يركز رأسه على محور واحد، كان مشوشاً ولم يكن بوسعه أن يهتدي إلى أول طريق التساؤلات كي يبدأ، ولذلك حاول جهده أن ينام ولو لنصف ساعة.
«من أين أنت؟» «من فلسطين... من الرملة.» «أوف! إن الرملة بعيدة جداً، قبل أسبوعين كنت في زيتا. أتعرف زيتا؟ لقد وقفت أمام الأسلاك الشائكة فاقترب مني طفل صغير وقال بالإنجليزية إن بيته يقع على بعد خطوات وراء الأسلاك. هل أنت موظف؟» «موظف؟ إن الشيطان نفسه تأبى عليه براءته أن يكون موظفاً! كلا يا صديقي، أنا سائح. انظر! إنه ثعلب آخر، ألم ترَ عينيه كيف تتقدان؟» «يا عزيزتي إنه جرذ... جرذ! لماذا تصرين على أنه ثعلب؟ هل سمعت ما حدث أخيراً هناك قرب زيتا؟» «كلا... ماذا حدث؟» «الشيطان لا يعرف ماذا حدث! هل ستستقر في بغداد؟» «كلا... إن هذه الصحراء مليئة بالجرذان.» «ترى ماذا تقوتت؟» أجاب بهدوء: «جرذان أصغر منها.» قالت الفتاة: «حقاً إنه شيء مرعب! نفسه حيوان مرعب كريه.»
قال الرجل السمين صاحب المكتب: «الجرذ حيوان كريه، كيف بوسعك أن تنام في ذلك الفندق؟ إنه رخيص!» نهض الرجل السمين صاحب المكتب واقترب منه، ثم وضع ذراعه الثقيلة فوق كتفيه: «تبدو متعباً أيها الفتى، ماذا حدث؟ هل أنت مريض؟» «أنا؟ كلا.» «إذا كنت مريضاً قل لي، قد أستطيع أن أساعدك، لكثير من الأصدقاء يعملون أطباء. اطمئن لن تدفع شيئاً.» «بارك الله فيك، ولكنني تعب قليلاً، هذا كل ما في الأمر. هل سيتاخر إعداد الرحلة؟» «كلا، نحمد الله أنكم كُثُر، خلال يومين ستجد نفسك على الطريق.»
أدار ظهره واتجه إلى الباب، ولكن قبل أن يجتازه سمع الرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه: «لكن حذار أن تاكلك الجرذان قبل أن تسافر!»
مروان
خرج مروان من دكان الرجل السمين الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، فوجد نفسه في الشارع المسقوف المزدحم الذي تفوح منه رائحة التمر وسلال القش الكبيرة. لم تكن لديه أية فكرة محدده عن وجهته الجديدة، فهناك داخل الدكان فُقِدَت آخر خيوط الأمل التي شدّت لسنوات طويلة كل شيء في داخله. كانت الكلمات الأخيرة التي لفظها الرجل السمين حاسمة ونهائية، بل خُيّل إليه أنها كانت مصبوبة من رصاص:
«خمسة عشر ديناراً، ألا تسمع؟» «ولكنها... ارجوك ارجوك!» «لا تبدأ بالنواح! كلكم تاتون إلى هنا ثم تبدأون بالنواح كالارامل! يا اخي يا روحي، لا أحد يجبرك على الالتصاق هنا، لماذا لا تذهب وتسأل غيري؟ البصرة مليئة بالمهربين.»
طبعاً سيذهب ويسأل غيره. لقد قال حسن الذي اشتغل في الكويت أربع سنين إن تهريب الفرد الواحد من البصرة إلى الكويت يكلف خمسة دنانير فقط لا غير، وأنه يجب أن يكون حين يمثل أمام المهرب أكبر من رجل وأكثر من شجاع وإلا ضحك عليه وخدعه واستغل سنه -الستة عشر- وجعل منه ألعوبة. قالوا إن سعر الواحد خمسة دنانير!
«خمسة دنانير؟ كان ذلك قبل أن تُزفّ حواء إلى آدم يا بني! استدر واخطُ ثلاث خطوات وستجد نفسك على الطريق، غير مطرود!»
جمع شجاعته كلها وحشدها في لسانه، كل ما تبقى في جيبه لا يزيد عن سبعة دنانير، ولقد كان يحسب قبل هنيهة أنه غني، أما الآن أتراه يستصغره؟ «سوف تاخذ مني خمسة دنانير وأنت مبسوط، وإلا... وإلا...» «وإلا ماذا؟» «وإلا فضحتك في مخفر الشرطة!»
قام الرجل السمين ودار حول مكتبه، ثم وقف أمامه وهو يلهث ويتصبب عرقاً. حدق فيه هنيهة قاسه فيها من رأسه حتى قدميه، ثم رفع يده الثقيلة في الهواء: «تريد أن تشكوني إلى الشرطة يا ابن الـ...؟»
وهوت اليد الثقيلة فوق خده، فضاعت الكلمة في طنين شيطاني أخذ يدور بين أذنيه. لم يستطع أن يحتفظ بتوازنه للحظة، فخطا إلى الوراء خطوتين صغيرتين، ووصله صوت الرجل السمين مبحوحاً بالغضب: «اذهب وقل للقوادين إنني ضربتك! تشكوني للشرطة؟»
في مكانه لبرهة وجيزة، ولكنها كانت كافية ليكتشف فيها عبث أية محاولة يقوم بها لترميم كرامته، بل إنه أحس حتى عظامه بأنه قد أخطأ خطأ لا يغتفر، فأخذ يمضغ ذله وعلامات الأصابع الأربعة فوق خده الأيسر تلتهب.
«ماذا تراك تنتظر هنا؟» دار على عقبيه واجتاز الباب إلى الخارج، فصفعت أنفه روائح التمر وسلال القش الكبيرة. تراه ماذا سيفعل الآن؟ لم يكن يريد أن يسال السؤال لنفسه قط، ولكنه ليس يدري لماذا كان يحس بنوع من الارتياح، ترى ما السبب في ذلك؟
لقد أحب أن يشغل نفسه بالتقصي عن السبب. ثمة شعور يملاً جانباً من رأسه ويوحي له بالارتياح والسعادة، ولكنه لم يكن يستطيع أن يفصله عن كل الأحداث المأساوية التي احتشدت في صدره خلال نصف الساعة الماضية. وحين انتهت كل محاولاته إلى الفشل اتكأ على الحائط.
كانت جموع الناس تعبر حواليه دون أن تلتفت إليه، ربما يحدث هذا للمرة الأولى في حياته أن يكون منفرداً وغريباً في مثل هذا الحشد من البشر، ولكنه كان يريد أن يعرف سبب ذلك الشعور البعيد الذي يوحي له بالاكتفاء والارتياح. شعور يشابه ذاك الذي كان يراوده بعد أن ينتهي من مشاهدة فيلم سينمائي، فيحس بأن الحياة كبيرة وواسعة، وأنه سوف يكون في المستقبل واحداً من أولئك الذين يصرفون حياتهم لحظة إثر لحظة وساعة إثر ساعة بامتلاء وتنوع مثيرين. ولكن ما السبب في كونه يحس الآن مثل ذلك الشعور رغم أنه لم يشاهد منذ زمن بعيد فيلماً من ذلك النوع؟ ورغم أن خيوط الأمل التي نسجت في صدره أحلاماً كباراً قد تقطعت قبيل لحظات؟ تقطعت داخل دكان الرجل السمين.
لا فائدة، يبدو أنه لن يستطيع اختراق الحجاب الكثيف بين خيبة الأمل الذي ارتفع دونه ودون ذلك الشعور الملتف على نفسه في مكان ما من رأسه، وقرر فيما بعد ألا يرهق رأسه قط، وأن يشغل نفسه بالمسير. ولكنه ما إن ترك الجدار وبدأ يمشي في الزحام حتى شعر بيد تربت على كتفه: «لا تيأس إلى هذا الحد! إلى أين ستذهب الآن؟»
كان الرجل الطويل قد بدأ يسير إلى جانبه بلهفة، وحين نظر إليه خيل له أنه قد شاهده في مكان ما من قبل، ولكنه رغم ذلك ابتعد عنه خطوة وصب فوق وجهه عينين متسائلتين. فقال الرجل: «إنه لص شهير، ما الذي قادك إليه؟» أجاب بعد تردد قصير: «كلهم يأتون إليه.»
اقترب الرجل منه وشبك ذراعه بذراعه كأنه يعرفه منذ زمن بعيد: «أتُريد أن تسافر إلى الكويت؟» «كيف عرفت؟» «لقد كنت واقفاً إلى جانب باب تلك الدكان، وشهدتك تدخل ثم شهدتك تخرج. ما اسمك؟» «مروان... وأنت؟» «إنهم ينادونني أبو الخيزران.»
لأول مرة منذ رآه لاحظ الآن أن منظره يوحي حقاً بالخيزران، فهو رجل طويل القامة جداً، نحيل جداً، ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة. وكان يبدو لسبب ما أن بوسعه أن يقوّس نفسه فيضع رأسه بين قدميه دون أن يسبب ذلك أي إزعاج لعموده الفقري أو بقية عظامه. «حسناً، ماذا تريد مني؟» تجاهل أبو الخيزران السؤال بسؤال من عنده: «لماذا تريد أن تسافر إلى الكويت؟» «اريد أن أشتغل... أنت تعرف كيف تجري الأمور هناك، منذ شهور طويلة وأنا...»
صمت فجأة ووقف. الآن فقط عرف منشأ ذلك الشعور بالارتياح والاكتفاء الذي لم يكن بوسعه قبل دقائق أن يكتشفه. إنه ينفتح أمام عينيه بكل اتساع وصفاء، بل إنه هدم بشكل رائع كل سدود الكآبة التي حالت بينه وبين معرفته، ها هو الآن يتملكه من جديد بسطوة لا مثيل لها قط.
كان أول شيء فعله ذلك الصباح الباكر هو كتابة رسالة طويلة إلى أمه، وأنه يشعر الآن بمزيد من الارتياح لأنه كتب تلك الرسالة قبل أن تخيب آماله كلها في دكان الرجل السمين، فيضيع صفاء الفرح الذي صبه في تلك الرسالة.
لقد كان بديعاً أن يعيش بعض ساعة مع أمه. نهض باكراً جداً ذلك الصباح، كان الخادم قد رفع السرير إلى سطح الفندق لأن النوم داخل الغرفة في مثل ذلك القيظ وتلك الرطوبة أمر مستحيل. وحينما أشرقت الشمس فتح عينيه، كان الجو رائعاً وهادئاً، وكانت السماء ما زالت تبدو زرقاء تحوم فيها حمامات سود، كن يطرن على علو منخفض ويُسمع رفيف أجنحتها كلما اقتربت في دورتها الواسعة من سماء الفندق.
كان الصمت مطبقاً بكثافة والجو يعبق برائحة رطوبة مبكرة صافيه. مد يده إلى حقيبته الصغيرة الموضوعة تحت السرير فاخرج دفتراً وقلماً ومضى يكتب رسالة إلى أمه وهو مستلقٍ هناك. كان ذلك أحسن ما فعله خلال شهور، لم يكن مجبراً على فعله ولكن كان يريد ذلك بملء رغبته وإرادته. كان مزاجه رائقا، وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه.
ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف أباه بأنه مجرد كلب... كلب منحط، ولكنه لم يشأ أن يشطب ذلك بعد أن كتبه. لم يكن يريد أن يشطب أي كلمة في هذه الرسالة، ليس لأن أمه تتشاءم من الكلمات المشطوبة فقط، بل لأنه كان لا يريد ذلك أيضاً وببساطة. ولكنه على أي حال لا يحقد على أبيه إلى ذلك الحد، صحيح أن أباه قام بعمل كريه ولكن من منا لا يفعل ذلك بين الفينة والأخرى؟ إنه يستطيع أن يفهم بالضبط ظروف والده وبوسعه أن يغفر له، ولكن هل بوسع والده أن يغفر لنفسه تلك الجريمة؟ أن يترك أربعة أطفال؟ أن يطلقكِ أنتِ بلا أي سبب ثم يتزوج من تلك المرأة الشوهاء؟ هذا أمر لن يغفره لنفسه حين يصحو ذات يوم ويكتشف ما فعل.
«إنني لا أريد أن أكره أحداً، ليس بوسعي أن أفعل ذلك حتى لو أردت، ولكن لماذا فعل ذلك معكِ أنتِ؟ أنا اعرف أنكِ لا تحبين لأحد منا أن يحكي عنه، أعرف ولكنني... ماذا تعتقدين أنه فعل ذلك؟ لقد مضى كل شيء الآن وراح، ولا أمل لنا بأن نستعيده مرة أخرى، ولكن لماذا فعل ذلك؟ دعيننا نسأل لماذا... أنا سوف أقول لكِ لماذا: منذ أن انقطعت عنا اخبار أخي زكريا اختلف الوضع نهائياً. كان زكريا يرسل لنا من الكويت كل شهر حوالي 200 روبية، كان المبلغ يحقق لأبي بعض الاستقرار الذي يحلم به، ولكن حين انقطعت أخبار زكريا -نرجو أن يكون ذلك خيراً- ماذا تعتقدين أنه فكر؟ لقد قال لنفسه، بل قال لنا كلنا، إن الحياة أمر عجيب، وإن الرجل يريد أن يستقر في شيخوخته لا أن يجد نفسه مجبراً على إطعام نصف درزينة من الأفواه المفتوحة. ألم يقل ذلك؟
زكريا راح، زكريا ضاعت أخباره، من الذي سيطعم الأفواه؟ من الذي سيكمل تعليم مروان ويشتري ملابس مي ويحمل خبزاً لرياض وسلمى وحسن؟ من؟ إنه رجل معدم أنتِ تعرفين ذلك، لقد كان طموحه كله -كل طموحه- هو أن يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم منذ عشر سنوات ويسكن تحت سقف من إسمنت كما كان يقول.
الآن زكريا راح، آماله كلها، آماله انهارت، مطامحه ذهبت فماتت! ماذا تعتقدين أنه سيفعل؟ لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقة أن يتزوجها، قال له إنها تمتلك بيتاً من ثلاث غرف في طرف البلده، دفعت ثمنه من تلك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية، وأبو شفيقة يريد شيئاً واحداً: أن يلقي حمل ابنته التي فقدت ساقها اليمنى أثناء قصف يافا على كاهل زوج، إنه على عتبة قبره ويريد أن يهبطه مطمئناً على مصير ابنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من أعلى الفخذ.
لقد فكر والدي بالأمر: لو أجر غرفتين وسكن مع زوجته الكسحاء في الثالثة، إذاً العُشْرُ تبقى له من الحياة مستقراً غير ملاحق بأي شيء، وأهم من ذلك: تحت سقف من إسمنت!»
«أتُريد أن تبقى واقفاً هنا إلى الأبد؟» نفض رأسه وسار، كان أبو الخيزران ينظر إليه من طرف حدقتيه، وخيل إليه أنه على وشك أن يبتسم ساخراً: «ما بالك تفكر بهذا الشكل؟ إن التفكير غير ملائم لك يا مروان، ما زلت صغير السن والحياة طويلة!»
وقف مرة أخرى وألقى برأسه إلى الوراء قليلاً: «والآن، ماذا تريد مني؟» واصل أبو الخيزران المسير فلحق به من جديد: «أستطيع أن أهربك إلى الكويت.» «كيف؟» «هذا شأني أنا! أنت تريد أن تذهب إلى الكويت، أليس كذلك؟ ها هو ذا انسان بوسعه أن ياخذك إلى هناك، ماذا تريد غير ذلك؟» «كم ستاخذ مني؟» «هذا ليس مهماً في الواقع.» «بل هو المهم!»
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة، فانشقت شفتاه عن صفين من الأسنان الكبيرة ناصعة البياض ثم قال: «سأخبرك الأمر بكل صراحة: أنا رجل مضطر للذهاب إلى الكويت، قلت لنفسي: لا بأس من أن أرتزق فأحمل معي بعض من يريدون أن يذهبوا إلى هناك.» «كم بوسعك أن تدفعه؟» «خمسة دنانير فقط لا أملك غيرها.» «حسناً، سأقبل.»
ودع أبو الخيزران يديه في جيبيه ومضى يسير بخطوات واسعة حتى أو شك مروان أن يضيعه، فاضطر إلى اللحاق به مسرعاً. إلا أن أبا الخيزران وقف فجأة وهز أصبرعه أمام فمه: «ولكن لا تقل ذلك لأي إنسان، أعني إذا طلبت من رجل آخر عشرة فلا تقل له إنني أخذت منك خمسة فقط!» «ولكن كيف تريدني أن أثق بك؟» فكر أبو الخيزران قليلاً ثم عاد فابتسم تلك الابتسامة الواسعة وقال: «معك حق! ستعطيني النقود في ساحة الصفا في الكويت، في العاصمه، في منتصف العاصمه. مبسوط؟ موافق؟» «موافق، ولكننا سنحتاج إلى عدد آخر من المسافرين، وعليك أن تساعدني... هذا شرط!» «إنني أعرف واحداً ينزل معي في الفندق ويرغب في السفر.» «هذا رائع! أنا أعرف واحداً آخر، إنه من بلدي في فلسطين أيام زمان، قابلته صدفة هنا. ولكنني لم أسألك: ماذا تريد أن تفعل في الكويت؟ هل تعرف أحداً؟»
وقف مرة أخرى، إلا أن أبا الخيزران شده من ذراعه فعاد يخب إلى جانبه: «إن لي أخاً يعمل هناك.» هز أبو الخيزران رأسه فيما كان يسير متعجلاً، ثم رفع كتفيه فغاص عنقه وبدا أقصر من ذي قبل: «وإذا كان أخوك يشتغل هناك، فلماذا تريد أنت أن تشتغل؟ الذين في سنك ما زالوا في المدارس!» «لقد كنت في المدرسة قبل شهرين، ولكنني أريد أن أشتغل الآن كي أعيل عائلتي.»
وقف أبو الخيزران ثم رفع كفيه من جيبيه وثبتهما على خصريه وأخذ يحدق إليه ضاحكاً: «لقد فهمت... فهمت الآن! أخوك لم يعد يرسل لكم نقوداً أليس كذلك؟» هز مروان رأسه وحاول أن يسير، إلا أن أبا الخيزران شده من ذراعه فأوقفه: «لماذا؟ هل تزوج؟» حدق مروان إلى أبي الخيزران مشدوهاً ثم همس: «كيف عرفت؟» «الأمر لا يحتاج إلى ذكاء خارق! كلهم يكفون عن إرسال النقود إلى عائلاتهم حين يتزوجون أو يعشقون!»
أحس مروان بخيبة أمل صغيرة تنمو في صدره، لا لأنه فوجئ بل لأنه اكتشف أن الأمر شائع ومعروف. لقد كان يحسب أنه يخنق صدره على سر كبير لا يعرفه غيره، حجبه عن أمه وأبيه طوال شهور وشهور، وها هو الآن يبدو على لسان أبي الخيزران كأنه قاعدة معروفة وبديهية! ولكن لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يتنكرون لي؟ صمت فجأة، كان أبو الخيزران قد بدأ يضحك: «أنا مبسوط أنك ستذهب إلى الكويت، لأنك ستتعلم هناك أشياء عديدة. أول شيء ستتعلمه هو أن القرش يأتي أولاً، ثم الأخلاق!»
حين تركه أبو الخيزران على أمل اللقاء بعد الظهر، كان قد فقد من جديد كل تلك المشاعر الرائعة التي كانت تغسله من الداخل طوال الصباح، بل إنه استغرب كيف تكون تلك الرسالة التي كتبها لأمه قد أعطته الشعور الرائق الذي جعل خيبة أمله تبدو أقل قيمة مما هي في الواقع؟ رسالة سخيفه كتبها تحت وطأة الشعور بالوحده والامل على سطح فندق مرمي في طرف الكون. ما هو الخارق في الأمر؟ أيحسب أن أمه لا تعرف القصة كلها؟ ماذا كان يريد أن يقول؟ أكان يريد أن يقنعها بأن هجران زوجها لها ولأولادها أمر رائع وطبيعي؟ إذاً لماذا كل تلك الثرثرة؟
إنه يحب والده حباً خارقاً لا يتزعزع، ولكن هذا لا يغير شيئاً من الحقيقة الرهيبة، الحقيقة التي تقول إن أباه قد هرب... هرب تماماً كما فعل زكريا، الذي تزوج وأرسل له رسالة صغيرة قال له فيها إن دوره قد جاء، وأن عليه أن يترك تلك المدرسة السخيفة التي لا تعلم شيئاً وأن يغوص في المقلاة مع من غاص كل عمره.
كان على طرفي نقيض من زكريا، بل إنهما كانا في الواقع يكرهان بعضهما. زكريا لم يكن يستطيع أن يفهم قط لماذا يتوجب عليه أن يصرف على العائلة طوال عشر سنوات، بينما يروح مروان ويجيء إلى المدرسة مثل الأطفال. وكان هو يريد أن يصير طبيباً، كان يقول لأمه إن زكريا لن يفهم قط معنى أن يتعلم الإنسان لأنه ترك المدرسة حين ترك فلسطين، وغاص منذ ذاك في المقلاة كما يجب أن يقول. وها هو الآن قد تزوج دون أن يقول ذلك لأحد غيره، كأنه كان يريد أن يضعه أمام ضميره وجهاً لوجه.
ولكن ماذا ترك له ليختار؟ لا شيء! أن يترك المدرسة ويعمل ويغوص في المقلاة من هنا وإلى الأبد. لا بأس، أيام قليلة ويصل إلى الكويت، إذا ساعده زكريا كان ذلك أفضل، وإذا تجاهله فلسوف يعرف كيف يهتدي إلى أول الطريق كما اهتدى الآخرون، ولسوف يرسل كل قرش يحصله إلى أمه. سوف يغرقها ويغرق إخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة إلهية ويجعل أباه يأكل أصابعه ندماً!
ورغم ذلك فإنه لا يكره أباه إلى هذا الحد، لسبب بسيط هو أن أباه ما زال يحبهم جميعا، لقد تأكد من ذلك تماماً حين ذهب إليه يودعه قبل أن يسافر. لم يقل لأمه إنه سيذهب إلى بيت شفيقة وإلا لكانت جنّت.
قال له أبوه هناك: «أنت تعرف يا مروان بأن لا بد لي في الأمر، هذا شيء مكتوب لنا منذ بدء الخليقة.» قالت شفيقة: «قلنا لأمك أن تأتي وتسكن هنا لكنها لم تقبل، ماذا تريدون أن نفعل أكثر من ذلك؟» كانت جالسة فوق بساط من جلد الماعز وكان العكاز ملقى إلى جانبها، وفكر هو: ترى أين ينتهي فخذها؟ كان وجهها جميلاً ولكنه حاد الملامح مثل وجوه كل أولئك المرضى الذين لا يُرجى لهم الشفاء، وكانت شفتها السفلى مقوسة كأنها على وشك أن تبكي.
قال أبوه: «خذ هذه عشرة دنانير قد تنفعك، واكتب لنا دائماً عنوان الصفقة.»
اقتاد مروان زميله أسعد إلى موعده مع أبي الخيزران، وصلا متأخرين قليلاً فوجدا أبا الخيزران بانتظارهما جالساً مع أبي قيس فوق مقعد إسمنتي كبير على رصيف الشارع الموازي للشط. «لقد اجتمعت العصابة كلها الآن أليس كذلك؟» صاح أبو الخيزران ضاحكاً وهو يضرب كتف مروان بكفه ويمد الأخرى ليصافح أسعد: «هذا هو صديقك إذاً؟ ما اسمه؟» أجاب مروان باقتضاب: «أسعد.» «دعني إذاً أُعرّفُكما على صديقي العجوز أبو قيس، وبهذا تكون العصابة قد اكتملت. لا بأس أن تزداد واحداً ولكنها الآن كافية أيضاً.» قال أسعد: «يبدو لي أنك فلسطيني، أأنت الذي سيتولى تهريبنا؟» «نعم أنا.» «كيف؟» «هذا شأني أنا!»
ضحك أسعد بسخرية، ثم قال ببطء شاداً على كلماته بعنف: «لا يا سيدي، إنه شأننا نحن! يجب أن تحكي لنا كل التفاصيل، لا نريد متاعب منذ البدء.» قال أبو الخيزران بصوت حاسم: «سأحكي لكم التفاصيل بعد أن نتفق وليس قبل ذلك.» قال أسعد: «لا يمكن أن نتفق قبل أن نعرف التفاصيل. ما رأي الشباب؟» لم يجب أحد، فأكد أسعد من جديد: «ما رأي العم أبي قيس؟» «الرأي رأيكم.» «ما رأيك يا مروان؟» «أنا معكم.» قال أسعد بعنف: «إذاً دعونا نختصر الوقت! يبدو لي أن العم أبا قيس غير خبير بالأمر، أما مروان فإنها تجربته الأولى، أنا أعلمكم بهذه الصنعة. ما رأيكم أن أتفاوض عنكم؟» رفع أبو قيس كفه في الهواء موافقاً، وهز مروان رأسه. فالتفت أسعد إلى أبي الخيزران: «لقد رأيت الشباب سلموني الأمور فدعني أقول لك شيئاً: إننا من بلد واحد، نحن نريد أن نرتزق وأنت تريد أن ترتزق لا بأس، ولكن يجب أن يكون الأمر في منتهى العدل. سوف تحكي لنا بالتفصيل كل خطوة وسوف تقول لنا بالضبط كم تريد، طبعاً سنعطيك النقود بعد أن نصل وليس قبل ذلك.»
قال أبو قيس: «الأخ أسعد يحكي الحق، يجب أن نكون على بينة من الأمر، وكما يقول المثل: ما يبدأ بالشرط ينتهي بالرضا.»
رفع أبو الخيزران كفيه من جيبيه ووضعهما على خصريه، ثم نقل بصره فوق الوجوه جميعا ببطء وبرود حتى استقر قراره فوق وجه أسعد: «أولاً: كل منكم سيدفع عشرة دنانير، موافقون؟» قال أبو قيس: «أنا موافق.» قال أسعد: «أرجوك! لقد سلمتني الأمر فدعني أحكِ. عشرة دنانير مبلغ كبير، إن المهرب المحترف يأخذ خمسة عشر ديناراً ثم...»
قاطعه أبو الخيزران: «لقد اختلفنا إذاً قبل أن نبدا! هذا ما كنت أخشاه! عشرة دنانير لا تنقص فلساً، السلام عليكم.» أدار ظهره وخطا خطوتين بطيئتين قبل أن يلحقه أبو قيس صائحاً: «لماذا غضبت؟ الموضوع سؤال وجواب والاتفاق أُخُوّ الصبر. حسناً نعطيك عشرة دنانير ولكن كيف ستأخذنا؟ نحن الآن في شغل الجد، اسمع!»
جلس أبو الخيزران على مقعد إسمنتي ووقف الثلاثة حواليه، ومضى يشرح مستعيناً بيديه الطويلتين: «لديّ سيارة مرخصة لاجتياز الحدود، يجب أن تنتبهوا: إنها ليست سيارتي، أنا رجل فقير أكثر منكم جميعاً، وكل علاقتي بتلك السيارة أنني سائقها. صاحب هذه السيارة رجل ثري معروف، ولذلك فإنها لا تقف كثيراً على الحدود ولا تتعرض للتفتيش، فصاحب السيارة معروف ومحترم والسيارة نفسها معروفة ومحترمة، وسائق السيارة تبعاً لذلك معروف ومحترم.»
كان أبو الخيزران سائقاً بارعاً، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 1948 أكثر من خمس سنين، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين كان معروفاً بأنه أحسن سائق للسيارات الكبيرة يمكن أن يُعثر عليه. ولذلك استدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد استولوا عليها إثر هجوم يهودي. ورغم أنه لم يكن خبيراً في قيادة المصفحات إلا أنه لم يخيب آمال أولئك الذين وقفوا على جانبي الطريق يتفرجون عليه وهو يدخل من الباب المصفح الصغير ويغيب لحيظات، ثم يهدر المحرك بالضجيج وتمضي المصفحة تتدرج في الطريق الرملي الضيق.
إلا أن المصفحة ما لبثت أن تعطلت ولم تجدِ كل المحاولات التي بذلها أبو الخيزران لإعادتها إلى سيرتها السوية. وإذا كانت خيبة أمل الرجال كبيرة، فإن خيبة أمله كانت أكبر. ولكن أبا الخيزران على أي حال أضاف إلى تجاربه في عالم المحركات تجربة أخرى، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن هذه التجربة لم تنفعه حين انضم إلى سائقي سيارات الحاج رضا في الكويت؟
لقد استطاع ذات يوم أن يقود سيارة ماء جبارة أكثر من ست ساعات في طريق ملحي موحل دون أن تغوص في الأرض وتتعطل مثل ما حدث لجميع سيارات القافلة. كان الحاج رضا قد خرج مع عدد من رجاله ليغيبوا عدة أيام في الخَمْس، إلا أن الربيع كان خادعاً، وأثناء عودتهم كانت الطريق تبدو بيضاء صلبة وهذا ما دفع سائقي السيارات لاقتحامها دون وجل. وهناك بدأت السيارات الكبيرة والصغيرة تغوص في الوحل واحدة إثر الأخرى، إلا أن أبا الخيزران الذي كان يقود سيارته الجبارة خلف الجميع واصل السير ببراعة ودون أن يتعطل ثانية واحدة. وحين شارف سيارة الحاج رضا الرمادية الغارقة حتى ثلاثة أرباع عجلاتها الورائية في الوحل أوقف سيارته وهبط، ثم اقترب من الحاج وقال له:
«ما رأي عمي الحاج رضا أن يصعد إلى سيارتي؟ إن انتشال هذه السيارة يستلزم أكثر من أربع ساعات، وفي هذا الوقت يكون عمي الحاج رضا قد وصل إلى بيته.» قال الحاج رضا: «تمام! إن صوت محرك سيارتك أرحم من الوقوف هنا مدة أربع ساعات.»
وقاد أبو الخيزران سيارته الضخمة طوال ست ساعات فوق تلك الأرض الخادعة التي تبدو بيضاء صلبة بسبب طبقة رقيقة من الملح الذي جف على السطح. وكان أبو الخيزران طوال الطريق يحرك مقود سيارته حركات خفيفة وسريعة ذات اليمين وذات اليسار كي تستطيع العجلتان الأماميتان أن تفتحا طريقاً أوسع قليلاً من حاجتهما.
لقد سُرَّ الحاج رضا للغاية من براعة أبي الخيزران وتحدث بذلك لكل أصدقائه طوال شهور، وقد سُرَّ الحاج أكثر حينما أُنْمِيَ إليه أن أبا الخيزران رفض عروضاً عديدة للعمل عند سواد، فبعد أن تفشت هذه الأخبار استدعاه وأثنى عليه ثم زاد راتبه قليلاً. وما هو أهم من ذلك أن الحاج رضا صار يشترط أن يكون أبو الخيزران رفيقا ضروريا لكل رحلة قنص أو سفر بعيد.
منذ أسبوع خرج الحاج رضا في قافلة من سياراته إلى رحلة قنص أقامها خصيصاً من أجل ضيوف ينزلون عنده، وقد كُلف أبو الخيزران بقيادة سيارة الماء الكبيرة التي سترافق القافلة طوال الرحلة وتؤمن الماء الوفير للرجال أثناء الرحلة التي قد تستغرق أكثر من يومين.
لقد ضربت القافلة بعيداً في الصحراء حتى إن الحاج رضا فضل أن يسلك في طريق عودته دروباً أخرى تصل به إلى الزبير، ومن الزبير يستطيع أن يسلك الطريق الرئيسي الذي يعود إلى الكويت. كان من الممكن أن يكون أبو الخيزران الآن في الكويت مع بقية القافلة لو لم يُصِب سيارته الكبيرة عطلٌ صغير يضطره للبقاء في البصرة يومين آخرين حتى يصلحه ثم يلحق بمن سبق.
«أنت تريد إذاً أن تضعنا داخل خزان ماء سيارتك في طريق العودة؟» «بالضبط! لقد قلت لنفسي: لماذا لا تنتهز الفرصة فترتزق بقرشين نظيفين طالما أنت هنا وطالما أن سيارتك لا تخضع للتفتيش؟»
نظر مروان إلى أبي قيس ثم إلى أسعد، فنظرا إليه بدورهما متسائلين: «اسمع يا أبا الخيزران، هذه اللعبة لا تعجبني! هل تستطيع أن تتصور ذلك في مثل هذا الحر؟ من يستطيع أن يجلس في خزان ماء مقفل؟» «لا تجعل من القضية ماساة، هذه ليست أول مرة. هل تعرف ما الذي سيحدث؟ ستنزلون إلى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين متراً، سأقف على الحدود أقل من خمس دقائق، بعد الحدود بخمسين متراً ستصعدون إلى فوق. وفي المطلاع حدود الكويت سنكرر المسرحية لخمس دقائق أخرى ثم هوب! ستجدون أنفسكم في الكويت!»
هز أسعد رأسه ثم حدق إلى الأرض لبرهة وقد قلب شفته السفلى، أما مروان فقد أخذ يتلهى بقصف عود جاف، وواصل أبو قيس التحديق إلى السائق طويل القامة. وفجأة قال مروان: «هل يوجد ماء في الخزان؟»
انفجر أبو الخيزران ضاحكاً وابتسم أسعد: «طبعاً لا! ماذا تعتقد، هل أنا مهرب أم معلم سباحة؟» وكانما راقت الفكرة لأبي الخيزران فقد مضى يقهقه ويضرب فخذيه بكفيه ويدور حول نفسه: «ماذا تعتقد؟ هل أنا معلم سباحة أيها الصغير؟ إن الخزان لم يرَ الماء منذ ستة أشهر!»
قال أسعد بهدوء: «حسبت أنك كنت تنقل الماء في رحلة قنص قبل أسبوع! أنت تعرف... تعرف ماذا أَقْصِد.» «لا لا، أعرف ماذا تقصد! أقصد منذ ستة أيام. إن المرء يبالغ أحياناً! والان هل اتفقنا؟ دعونا ننهِ هذا الاجتماع الخطير.»
وقف أبو قيس مهيئاً نفسه للقول الفصل، ولكنه قبل أن ينطق دور بصره على الجميع وتوقف هنيهة وهو ينظر إلى أسعد كأنه يرجوه العون، ثم اقترب من أبي الخيزران: «اسمع يا أبا الخيزران، أنا رجل درويش ولا أفهم بكل هذه التعقيدات، ولكن قصة رحلة القنص تلك لم تعجبني. تقول إنك حملت للحاج رضا ماءً، ثم تقول الآن إن خزان سيارتك لم يشم رائحة الماء منذ ستة أشهر! سأقول لك الحقيقة وارجو أن لا تغضب: أنا أشك في أنك تملك سيارة!»
التفت أبو قيس للبقية ومضى يكمل بصوت حزين: «أنا أفضل أن أدفع خمسة عشر ديناراً وأذهب مع مهرب في طريق الصحراء، لا أريد مزيداً من المشاكل.»
ضحك أبو الخيزران وقال بصوت عالٍ: «اذهب وجرب! أتحسب أنني لا اعرف هؤلاء المهربين؟ سيتركونكم في منتصف الطريق ويذوبون مثل فص الملح، وأنتم بدوركم ستذوبون في قيظ آب دون أن يشعر بكم أحد! اذهب... اذهب وجرب، قبلك جرب كثيرون! تريد أن أقول لك دليلاً؟ لماذا تحسب أنهم ياخذون منكم المبلغ سلفاً؟» «ولكنني أعرف كثيرين وصلوا إلى هناك عن طريق المهربين.» «10% على الأكثر، ثم اذهب واسألهم وسيقولون لك إنهم أكملوا الطريق بلا مهرب وبلا دليل، وأن حظهم قد ساعدهم على النجاة!»
جمد أبو قيس في مكانه وبدا للحظة أنه موشك على السقوط، ولاحظ مروان أن أبا قيس يشبه والده إلى حد بعيد، فأشاح بوجهه عنه. لم يعد بوسعه أن يركز رأسه على موضوع واحد، فيما مضى أبو الخيزران صائحاً: «يجب أن تقرروا بسرعة، ليس لديّ مزيد من الوقت لأضيعه، أقسم لكم بشرفي...» قال أسعد مقاطعاً بهدوء: «اترك موضوع الشرف في ناحية أخرى، الأمور تمضي بشكل أفضل حينما لا يقسم المرء بشرفه!»
التفت أبو الخيزران إليه وقال: «والآن يا سيد أسعد، أنت رجل ذكي ومجرب ما رأيك؟» «رايي بماذا؟» «بكل شيء!»
ابتسم أسعد ولاحظ أن أبا قيس ومروان ينتظران أن يسمعا قراره، فمضى يحكي ببطء وسخرية: «أولاً: أَعْفِنَا من تصديق قصة رحلة القنص! يبدو لي أن الحاج رضا وجنابك تعملان بالتهريب، عفوك قليلاً دعني أكمل! الحاج رضا يعتقد أن تهريب الأشخاص في طريق العودة أمر تافه، لذلك يتركه لك، أما أنت فتترك له بالمقابل تهريب الأمور الأهم وبنسبة من الأرباح المعقولة. أم تراه لا يعرف أنك تهرب أشخاصاً في طريق العودة؟»
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة، فبانت أسنانه البيضاء النظيفة من جديد، وبدا أنه لا يريد أن يجيب أسعد. قال مروان فجأة: «وقصة القنص؟» «قصة القنص مُعَدَّةٌ لرجال الحدود ليس لنا، ولكن أبا الخيزران لا يجد بأساً من أن يرويها!»
اتسعت ابتسامة أبي الخيزران أكثر من قبل، وأخذ يبادل الرجال النظر دون أن يتكلم، وبدا للحظة أنه غبي. قال أبو قيس: «ولكن ماذا يهرب الحاج رضا؟ لقد قلت إنه رجل ثري.»
نظر الجميع إلى أبي الخيزران الذي كف فجأة عن الابتسام، وعاد وجهه يكتسي بطابع اللابالاة والتسلط، ثم قال بحزم: «والآن كفوا عن الثرثرة! يجب ألا تعتقد يا سيد أسعد أنك ذكي إلى هذا الحد. ماذا قررتم؟» قال أسعد بهدوء: «أنا شخصياً لا أهتم إلا بموضوع وصولي إلى الكويت، أما ما عدا ذلك فإنه لا يعنيني، ولذلك فإنني سأسافر مع أبي الخيزران.» قال مروان بحماسة: «وأنا سأسافر معكما.» «قال أبو قيس: هل تعتقدون أنه بوسعي أن أرافقكم؟ أنا رجل عجوز.»
ضحك أبو الخيزران بعنف ثم شبك ذراعه بذراع أبي قيس: «لا لا يا أبا قيس، من الذي أوهمك أنك عجوز إلى هذا الحد؟ ربما أم قيس! يجب أن تأتي معنا.» كان قد سار خطوات قليلة معه، وترك مروان وأسعد واقفين إلى جانب مقعد إسمنتي كبير. التفت أبو الخيزران من فوق كتفه وصاح: «سينام أبو قيس معي في السيارة، وسأنتظرُكما صباح غد الباكر أمام الفندق.»
الطريق
لم يكن الركوب فوق ظهر السيارة الجبارة مزعجاً كثيراً، فرغم أن الشمس كانت تصب جحيمها بلا هوادة فوق رأسيهما، إلا أن الهواء الذي كان يهب عليهما بسبب سرعة السيارة خفف من حدة الحر. كان أبو قيس قد صعد مع مروان إلى فوق وجلسا على حافة الخزان متجاورين، أما أسعد فقد رست عليه القرعة ليجلس إلى جانب السائق في الفترة الأولى من الرحلة.
قال أسعد محدثاً نفسه: سوف يأتي دور العجوز أخيراً يستظل هنا، ولكن لا بأس على أي حال، فإن الشمس تبقى محتملة الآن، أما عند الظهر فسيكون حظ العجوز حسناً.
قال أبو الخيزران فجأة بصوت عالٍ ليُسْمَع عبر هدير المحرك: «هل تتصور هذه الكيلومترات المائة والخمسين؟ أشبهها بيني وبين نفسي بالصراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار، فمن سقط عن الصراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة، أما الملائكة هنا فهم رجال الحدود!»
انفجر أبو الخيزران ضاحكاً كأنه لم يكن هو الذي قال ذلك، ثم أخذ يضرب المقود بكلتا يديه ويهز رأسه: «أتَعرِف أنني أخاف أن تفطس البضاعة هناك؟» أشار بعنقه إلى حيث يجلس العجوز مع مروان فوق الخزان، ومضى يضحك بعنف مرة أخرى.
قال أسعد بهدوء: «قل لي يا أبا الخيزران، ألم تتزوج أبدأ؟» «أنا؟» سأل بعجب واكتسى وجهه الهزيل بالأسى كأنه لم يكن يضحك قبل هنيهة، ثم قال ببطء: «لماذا تسأل؟» «لا لشيء معين، كنت أقول لنفسي إن حياتك رائعة، لا أحد يشدك من هنا ولا أحد يشدك من هناك، وتطير أنت منفرداً حيث شئت، تطير تطير تطير!»
هز أبو الخيزران رأسه، ثم ضيق جفنيه كي يتلافى ضوء الشمس الذي انصب فجأة فوق زجاج الواجهة. كان الضوء ساطعاً بحده حتى إنه لم يستطع بادئ الأمر أن يرى شيئاً، إلا أنه أحس بألم فظيع يتلولب بين فخذيه، ثم استطاع أن يتبين أن ساقيه مربوطتان إلى حمالتين ترفعانهما إلى فوق، وأن عدداً من الرجال يدور حوله. أغمض عينيه برهة ثم فتحهما مرة أخرى على وسعهما، كان الضوء المستدير الموضوع فوق رأسه يحجب عنه السقف ويغشي بصره، ولم يستطع أن يتذكر وهو مقيد هناك على ذلك الشكل المحكم والغريب أكثر من شيء واحد حدث له منذ برهة ليس غيرها: كان مع عدد من الرجال المسلحين حين تفجرت جهنم أمامه فسقط على وجهه... هذا كل شيء.
والآن الألم الفظيع ما زال يغوص بين فخذيه، والضوء المستدير الضخم معلق فوق عينيه، وهو يحاول أن يرى الأمور والأشخاص مضيقاً جفنيه قدر ما يستطيع. وفجأة خطر له خاطر أسود فبدأ يصيح بجنون. لا يذكر ما الذي قاله حينذاك، ولكنه أحس بيد تطبق فوق فمه بعنف كانت تلبس قفازاً لزجاً، ووصله الصوت كأنما عبر قطنة: «كن عاقلاً... كن عاقلاً، إن ذلك على أي حال أفضل من أن تموت!».
ليس يدري هل استطاعوا أن يسمعوه وهو يصيح من بين أسنانه واليد اللزجة مطبقة فوق فمه، أم أن صوته ضاع في حلقه؟ إنه على أي حال ما زال يسمع الصوت نفسه، كان إنساناً آخر كان يصيح في أذنيه: «لا... الموت أفضل!».
والآن مرت عشر سنوات على ذلك المشهد الكريه، مرت عشر سنوات على اليوم الذي اقتلعوا فيه رجولته منه، ولقد عاش هذا الذل يوماً وراء يوم وساعة إثر ساعة، مضغه في كبرياء وافتقده كل لحظة من لحظات هذه السنوات العشر، ورغم ذلك فإنه لم يعتده قط، لم يقبله قط.
عشر سنوات طوال وهو يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أية امور؟ أن يعترف ببساطة بانه قد ضيع رجولته في سبيل الوطن؟ ومن نفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن، وتباً لكل شيء في هذا الكون الملعون! كلا، إنه لم يقبل بعد عشر سنوات أن ينسى مأساته ويعتادها، بل إنه لم يقبل ذلك حتى حين كان تحت المبضع يحاولون أن يقنعوه بأن فقدان الرجولة أرحم من فقدان الحياة. يا إله الشياطين! إنهم لا يعرفون ذلك قط، لا يعرفون شيئاً ثم يتنطحون لتعليم الناس كل الأشياء. تراه لم يقبل، أم أنه كان عاجزاً عن القبول منذ اللحظات الأولى؟ كان قد قرر أن لا يقبل... نعم هذا هو الصحيح، بل إنه كان عاجزاً عن تصور الأمر بتمامه حتى إنه بلا وعي هرب من المستشفى قبل أن يشفى نهائياً كأن روحه كانت قادرة على تسوية الأمور من جديد. لقد احتاج إلى وقت طويل حتى يعتاد مجرد الحياة، ولكن تراه اعتادها؟ ليس بعد، كلما سُئِل بشكل عابر: «لماذا لا تتزوج؟» عاد إليه الاحساس الكريه، ألمٌ يغوص بين فخذيه كأنه ما زال ملقى تحت الضوء المستدير الساطع وساقاه مرفوعتان إلى فوق.
كان الضوء متوهجاً وساطعاً حتى إن عينيه بدأتا تدمعان، عندها مد أسعد يده فأنزل حاجبه الشمس المستطيلة ليقع الظل على وجه أبي الخيزران: «نعم، إن هذا أفضل شكراً. أتَعرِف أن أبا قيس رجل محظوظ؟»
أحس أسعد بأن أبا الخيزران يريد تغيير موضوع الزواج الذي أثاره بسؤاله، فاستجاب لذلك ببساطة: «لماذا؟» «لو قدر له أن يذهب مع المهربين لكان وصوله إلى الكويت بمثابة أعجوبة لا أكثر ولا أقل!» تأكأ أبو الخيزران بذراعيه على المقود واتكأ بصدره فوقهما: «أنت لا تعرف كيف تجري الأمور هنا، كلكم لا تعرفون. اسألني أنا... اسألني! إنني اعرف قصصاً يبلغ عددها عدد شعر القط.» «إن الرجل السمين يبدو طيباً، لقد ملتُ إليه.»
أنزل أبو الخيزران رأسه ومسح عرق جبينه بكمه المتكئ على المقود وقال: «إن الرجل السمين لا يذهب معك عبر الحدود، وهو لا يعرف ماذا يحدث.» «ماذا يحدث؟» «لي ابن عم يدعى حسنين هرب مرة عبر الحدود، وبعدما سار أكثر من 10 ساعات حل الظلام، عندها أشار المهرب إلى مجموعة من الاضواء البعيدة وقال: تلك هي الكويت، تصلونها بعد مسيرة نصف ساعة. أتدري ما الذي حدث؟ لم تكن تلك الكويت، كانت قرية عراقية نائية! أستطيع أن أروي لك آلافاً من القصص المشابهة، قصص رجال تحولوا إلى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء واحدة يغسلون بها ألسنتهم المشققة. وماذا تحسب أنه حدث حينما شاهدوا خيام البدو؟ لقد اشتروا جرعة ماء لكل ما يملكون من نقود أو خواتم زواج أو ساعات... اشتروا ماءً! يقولون إن حاتماً كان بدوياً، ولكنني أعتقد أنها مجرد كذبة، ذلك زمن راح يا أبا أسعد... راح! ولكنكم لا تدركون ذلك، تحسبون أن الرجل السمين بوسعه أن يعمل كل شيء. أعرف رجلاً عاش في الصحراء وحيداً مدة أربعة أيام، وحين التقطته سيارة على طريق الهجرة كان على وشك أن يلفظ آخر أنفاسه، أتدري ماذا فعل؟ كان يريد شيئاً واحداً من كل هذه الحياة: كان يريد أن يعود إلى البصرة فور أن يسترد صحته، ويعود إليها عبر الصحراء أيضاً إذا لزم الأمر. أتَعْرِف لماذا؟ قال لي إنه يريد العودة إلى هناك كي يطبق بكفيه حول عنق الرجل السمين ويخنقه، ثم لتقم القيامة! كان قد بدأ رحلته مع صديقين من أصدقاء شبابه من غزة عبر إسرائيل، عبر الأردن، عبر العراق، ثم تركهم المهرب في الصحراء ولم يعبروا حدود الكويت. لقد دفن صديقيه بتلك الأراضي المجهولة، وحمل معه هويتيهما على أمل أن يصل إلى الكويت فيرسلهما إلى أهليهما. لم يكن يريد لأحد أن ينصحه، كان يقول إنه لا يريد أن ينسى ولا يريد أن يغفر. وبعد مرور أقل من شهر عاد أدراجه إلى العراق، ولكنهم ألقوا القبض عليه وهو الآن يمضي سنته الثانية في... ماذا تركت؟ تحسبون... تأتون إلينا من المدارس مثل الأطفال وتحسبون أن الحياة هينة؟ أتحسب أن أبا قيس لم يكن يقامر بحياته وسوف يكون هو الخاسر؟ أنا متأكد من ذلك، تأكدي من الشمس الملعونة هذه! غداً حين تصل إلى الكويت ستتذكرني بالخير وتقول: كان أبو الخيزران يحكي الصحيح! ثم تحمد ربك ألف مرة لأنني أنقذتك من أظافر الرجل السمين. هل رأيت في عمرك كله هيكلاً عظمياً ملقى فوق الرمال؟» «ماذا قلت؟» «سألتك: هل رأيت في عمرك كله هيكلاً عظمياً ملقى فوق الرمال؟» «كلا.»
دَوَّر أبو الخيزران مقود سيارته بعنف ليتجاوز حفرة واسعة في الرمل، ثم بدأت السيارة تخب وترتجف فوق طريق تشبه الدرج المنبسط، وأحس أسعد بأن أمعاءه على وشك أن تقفز من بين أسنانه المصطفة: «كنت ستَرى الكثير منها لو مشيت مع المهربين، وعلى أي حال سوف لن يعني ذلك شيئاً.» «لماذا؟» «لأنك ستكون مشغولاً عن التفكير به، أو مثل ما قال حسنين: لأنك لا تريد أن تفكر به!»
ابتسم أسعد ببلاهة لمجرد أنه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل، ثم سأل وهو يركز أبا الخيزران في خاصرته: «لماذا تعمل إذاً في التهريب؟» «أنا؟ أنا لا أعمل في التهريب!» ضحك أسعد وضرب كفه فوق فخذ أبي الخيزران: «إذاً ماذا تسمي هذا؟» «أقول لك الحقيقة: إنني أريد مزيداً من النقود، مزيداً من النقود ومزيداً من النقود! ولقد اكتشفت أنه من الصعب تجميع ثروة عن طريق التهريب. أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا؟ إنني أمتلك بعض المال، وبعد عامين سأترك كل شيء وأستقر، أريد أن أستريح... أتمدد، أستلقي في الظل وأفكر أو لا أفكر، لا أريد أن أتحرك قط! لقد تعبت في حياتي بشكل أكثر من كافٍ، أي والله أكثر من كافٍ!»
أطفأ أبو الخيزران المحرك بسرعة وفتح الباب، ثم قفز إلى الأرض وأخذ يصيح: «لقد بدا الجد! هيا سأفتح لكم باب الخزان، سيكون الطقس كالآتون هناك في الداخل!»
صعد بخفة فوق السلم الحديدي الصغير، وأخذ يعالج باب الخزان المستدير. وفكر مروان ببطء: إن ذراعيه قويتان! كانوا يتصببون عرقاً، إلا أن قميص أبي الخيزران كان مبتلاً تماماً، وكان وجهه يبدو كأنه مطلي بالوحل.
انفتح الباب مقرقعاً، ورفع أبو الخيزران طرف القرص الحديدي إلى فوق فاستوى واقفاً فوق مفصله، وبدا باطنه أحمر من فرط الصدأ. جلس أبو الخيزران إلى جانب الفوهة موسعاً بين ساقيه المدلاتين، وأخذ يمسح عرقه بالمنديل الأحمر الذي يلفه على مؤخرة رقبته، وكان يلهث: «أنصحكم أن تنزعوا قمصانكم، الحر خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنكم في المقلاة! ولكن لخمس دقائق أو سبع، وسوف أقود بأقصى ما أستطيع من سرعة. توجد في الداخل عوارض حديدية، في كل زاويه عارضة، إنني أُفضّل أن تتمسكوا بها جيداً وإلا تدحرجتم كالكرات! طبعاً ستخلعون أحذيتكم.»
بقي الجميع واقفين على الأرض دون حراك. نهض أبو الخيزران ثم قفز إلى تحت وكان يحاول أن يضحك: «بوسع المرء أن ينام في الداخل لو كان الطقس أرحم قليلاً!»
نظر أبو قيس إلى مروان، ثم نظر كلاهما إلى أسعد، والذي خطا تحت تأثير تلك النظرات خطوتين صغيرتين إلى الأمام، ثم عاد فوقف من جديد وكان أبو الخيزران يراقبه: «أنصحكم أن تعجلوا قليلاً، إننا ما زلنا في مطلع النهار وبعد قليل سيصبح الخزان من الداخل فرناً حقيقياً!»
حسم مروان رأيه فاقترب متسرعاً من السلم الحديدي، إلا أن أسعد سبقه وتسلق ثم انحنى فوق الفوهة المفتوحة وأسقط رأسه داخل الخزان لبرهة وجيزة، ثم عاد فرفعه: «هذه هي جهنم... إنها تتقد!» قال أبو الخيزران وهو يفرش كفيه الكبيرتين: «لقد قلت لكم ذلك من قبل!»
كان مروان قد وصل هو الآخر ودسر رأسه داخل الفوهة ثم عاد فرفعه، وقد ارتسمت على وجهه علائم الاشمئزاز والرعب. أما أبو قيس فقد وصل إلى جانبهما لاهثاً، وصاح أبو الخيزران من تحت: «أتَعرِفون ماذا تفعلون إذا روض أحدَكم العطاسُ؟»
ابتسم أسعد ابتسامة باهتة، بينما نظر مروان إلى تحت، وبدا أن أبا قيس لم يفهم السؤال. ليضع اصبعه تحت منخريه مستقيماً هكذا، مثل أبو الخيزران الحركة فبدا وجهه مضحكاً، وقال أسعد وهو يخطو إلى الأمام: «لا أعتقد أن أحداً منا سيعطس في هذا الفرن! لا تقلق من هذه الناحية.»
وضع أسعد كفيه على خصريه ووقف إلى جانب الفوهة مطأطئاً رأسه وكأنه يريد أن يرى ماذا يوجد في الداخل، بينما خلع أبو قيس قميصه ولفه باعتناء تحت إبطه، وبدا صدره مشعراً شائباً وعظام كتفيه بارزة إلى الأمام. جلس على حافة الفوهة مدلياً ساقيه داخلها، رمى بقميصه أولاً ثم بدأ ينزلق بطيئاً مستقيماً معتمداً على ذراعيه الممدودتين فوق حافة الفوهة، حتى إذا ما لمست قدماه أرض الخزان أرخى ذراعيه وجعل جسده ينساب باعتناء، فغاص رأسه ثم توارت ذراعاه.
قوّس أسعد جسده وصاح: «كيف ترى الأمور؟» ودوى صوت عريض من الداخل كأنه آتٍ من عمق سحيق: «إنه بئر ملعونة... تعال!»
نظر أسعد إلى مروان الذي خلع قميصه ووقف ينتظر، بينما بدأ أبو الخيزران يتسلق السلم الحديدي من جديد. توجه مروان إلى الفوهة وادار لها ظهره، أنزل ساقيه أولاً جاعلاً بطنه فوق الحافة، ثم انزلق الجسد ببراعة وبقيت الكفان متمسكتين بإطار الفوهة لبرهة ثم اختفتا.
لحق أسعد بزميليه دون أن يخلع قميصه، وحين وارته الفوهة انحنى أبو الخيزران محاولاً أن يرى الوضع في الداخل، إلا أنه لم يرَ شيئاً، ففي كل مرة كان يطل بها كان جسده يحجب الضوء المتسلل من الفوهة فتتعذر الرؤية. واخيراً صاح وإشابه صوت عريض: «ماذا تنتظر؟ عجل إننا على وشك الاختناق!»
أغلق أبو الخيزران الغطاء ودور بيده المضلعة دورتين، ثم انحدر راكضاً إلى مقعده. وبدأت السيارة -قبل أن يغلق الباب- تلتهم الطريق.
في تلك الدقائق القليلة كانت ثمة فكرة واحدة تحوم في رأس أبي الخيزران لا غيرها: إن الطريق المحفرة التي تشبه درجا منبسطا تحز السيارة وترجفها بلا هوادة ولا انقطاع، إن هذا الهزيز جدير بأن يجعل البيض عجة في وقت أقل مما تستطيع الخفاقة الكهربائية أن تفعل. لا بأس بذلك بالنسبة لمروان فهو فتى، ولا بأس بذلك بالنسبة لأسعد فهو قوي البنية، ولكن ماذا عن أبي قيس؟ لا شك أن أسنانه تصطك مثل إنسان على وشك أن يموت من شدة الصقيع، ولكن الفرق أنه ليس ثمة صقيع هنا!
بوسع أبي الخيزران أن يتلافى بعض هذا الهزيز لو زاد من سرعته أكثر، لو جعل هذه الدبابة الجهنميه تسير بسرعه 120 بدلاً من الـ 90 التي يشير لها المؤشر الآن. ولكن إذا فعل ذلك من يضمن ألا تنقلب السيارة فوق هذه الطريق الملعونة؟ لا بأس أن تنقلب السيارة فهي ليست له، ولكن ماذا لو استقرت على قفاها؟ ثم من قال إن محرك السيارة يتحمل مثل هذه السرعة في مثل هذا الجو وهذه الأرض؟ إنهم يضعون دائماً على المؤشر أرقاماً عالية ليس من الحكمه أن يبلغها السائق.
الساحر لم يخفف السرعة حين وصل إلى صفوان، بل إنه حين دَوَّر في الساحة متجهاً إلى اليسار حيث يقوم المخفر لم يرفع قدمه عن مضخة البنزين قيد شعرة، بل جعلها دورة واسعة نثرت الغبار في حلقة واسعة، ولم يرفع قدمه إلا حين ضغط المكبح أمام باب المخفر بعنف ومرق كالسهم إلى الداخل.
ساحة الجمرك ساحة رملية واسعة في صفوان تتوسطها شجرة كبيرة يتيمة، تتهدل أوراقها المتطاولة فترمي ظلاً واسعاً في الصحراء، وعلى الأطراف تنتصب حجرات ذات أبواب خشبية في داخلها مكاتب مكتظة ورجال مشغولون دائماً.
لاحظ أبو الخيزران وهو يقتحم الساحة بقده المديد سوى بعض النسوة الجالسات في ظل الشجرة متلفحات بالعباءات، كان ثمة طفل أو طفلان يقفان إلى جانب صنبور المياه، وكان الحاجب نائماً فوق كرسي القش العتيق.
«أبو الخيزران متعجل اليوم؟» «نعم، الحاج رضا ينتظر! إذا تأخرت طردني الحاج رضا.» «لن يطردك لا تخف، لا يمكن أن يعثر على شاب مثلك.» «الشباب يملأون الأرض كالفقع، لو أشار بيده لتهاووا كذباب!» «ماذا تحمل معك؟ اسلحة؟ دبابات مصفحة؟ وست طائرات ومدفعين؟»
انفجر الرجل ضاحكاً من أعماقه، وتناول أبو الخيزران الأوراق من تحت يديه بخفة وانطلق إلى الخارج. قال في ذات نفسه وهو يدخل إلى غرفة اخرى: أصعب المراحل انتهت!
بعد دقيقة واحدة خرج من الغرفة الأخرى، وبأقل من لمح البصر كان يدور المحرك فيمزق السكون الضارب فوق صفوان وينطلق إلى الطريق الجديد. وفيما كانت السيارة تنطلق كالسهم تاركة وراءها خطاً من غيوم، كان أبو الخيزران ينزف عرقاً غزيراً يصب في وجهه ممرات متشعبه تلتقي عند ذقنه. كانت الشمس ساطعة متوهجة، وكان الهواء ساخناً مشبعاً بغبار دقيق كأنه الطحين: لم أرَ في حياتي مثل هذا الطقس اللعين!
فك أزرار قميصه فلامست أصابعه شعر صدره الغزير المبتل. كانت الطريق قد استوت ولم تعد السيارة ترتجف شأنها من قبل فزاد من سرعته، كان المؤشر يندفع إلى الأمام ككلب أبيض مربوط إلى وتد. نظر إلى الأمام بعينيه الغارقتين في عرقه فتبين نهاية الهضبة الصغيرة، وراء هذه الهضبة تحتجب صفوان، وهناك يتعين عليه أن يقف. زود ضغط قدمه فوق المضخة كيما تتسلق السيارة الهضبة دون أن تتباطأ، وأحس بأن عضلة ساقه قد تكورت حتى أوشكت أن تتمزع. الأرض تنطوي والسيارة تزأر والزجاج يتوهج والعرق يحرق عينيه، وما تزال قمة الهضبة تتراءى له بعيدة كالأبد.
يا إلهي! يا إلهي العزيز العلي القدير! كيف يمكن لقمه هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شريانه وتصب لهابها على جلده الملوث بالوحل عرقاً مالحاً؟ يا إلهي العلي الذي لم تكن معي أبداً، الذي لم تنظر إليّ أبداً، الذي لا أؤمن بك أبداً! أيمكن أن تكون هنا هذه المرة؟ هذه المرة فقط؟
رَفّ عينيه رَفّاتٍ سريعة ليغسل العرق عن جفنيه، وحين فتحهما آخر مرة كانت قمة الهضبة قد صارت أمامه. وصل إلى أعلاها فأطفأ المحرك وترك السيارة تنزلق قليلاً ثم أوقفها، وققز من الباب إلى ظهر الخزان.
خرج مروان أولاً، رفع ذراعيه فانتشله أبو الخيزران بعنف وتركه مفروشاً فوق سطح الخزان. أطل أبو قيس برأسه ثم حاول أن يخرج إلا أنه لم يستطع، عاد فأخرج ذراعيه وترك أبا الخيزران يساعده، أما أسعد فقد استطاع أن يتسلق الفوهة وكان قد خلع قميصه.
جلس أبو الخيزران فوق سطح الخزان الساخن، كان يلهث وبدا أنه قد كبر عن ذي قبل، بينما انزلق أبو قيس ببطء فوق العجلات واستلقى في الظل منبطحاً على وجهه. وقف أسعد هنيهة يتنشق بملء صدره، كان يبدو أنه يريد أن يتكلم إلا أنه لم يستطع، وأخيراً قال لاهثاً: «أوف! الطقس هنا في غاية البرودة!»
كان وجهه محمراً ومبتلاً وكان بنطاله مغسولاً بالعرق، أما صدره فقد انطبعت عليه علائم الصدأ فبدا وكأنه ملطخ بالدم. نهض مروان وهبط السلم الحديدي بإعياء، كانت عيناه حمراوين وكان صدره مصبوغاً بالصدأ، وحين وصل إلى الأرض وضع رأسه فوق فخذ أبي قيس ومدد جسده ببطء إلى جانب العجلة.
بعد لحظة تبعه أسعد ثم أبو الخيزران، فجلسوا واضعين رؤوسهم فوق ركبهم المطوية. قال أبو الخيزران بعد فترة: «هل كان الأمر مخيفاً؟» لم يجبه أحد، فَدَوَّر نظره فوق وجوههم فبدت له وجوهاً صفراء محنطة، ولولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أن أبا قيس كان يتنفس بصفير مسموع لَخُيِّلَ إليه أنهما ميتان: «قلت لكما: سبع دقائق، ورغم ذلك لم يستغرق الأمر أكثر من ست دقائق!»
نظر إليه أسعد ببرود، بينما فتح مروان عينيه دون أن ينظر إلى شيء معين، ودَوَّر أبو قيس وجهه إلى الناحية الأخرى: «أقسم لك بشرفي ست دقائق! انظر إلى الساعة يا أسعد... ست دقائق بالضبط! انظر، لماذا لا تريد أن تنظر؟ لقد قلت لكم ذلك، قلتم منذ البدء وأنتم تعتقدون الآن أنني أكذب عليكم، ها هي الساعة انظروا... انظر!»
رفع مروان رأسه ثم استند على عضديه وأخذ ينظر ملقياً برأسه بعض الشيء إلى الوراء باتجاه أبي الخيزران، لم يكن يبدو أنه يرى بوضوح: «هلا جربت أن تجلس هناك ست دقائق؟» «لقد قلت لكم... ثم إنها لم تكن ست دقائق! لماذا لا تنظر في ساعتك؟ لماذا؟ إنها في رسغك هيا انظر، وكف عن التحديق بي كالمجنون!»
قال أبو قيس: «إنها ست دقائق! كنت طوال الوقت أعد من الواحد إلى الستين... دقيقة! هكذا حسبت، عددت ست مرات، في المرة الأخيرة عادت ببطء شديد.» كان يتكلم بصوت منخفض وببطء، فقال أسعد: «ماذا بك يا أبا قيس؟ هل أنت مريض؟» «أنا؟ كلا، لكنني أتنفس حصتي من الهواء!»
وقف أبو الخيزران ونفض عن بنطاله الرمل، ثم ثبت كفيه فوق خصريه وأخذ ينقل بصره بين الرجال الثلاثة: «هيا بنا، يجب ألا نضيع وقتاً أكثر، أمامكم حمام تركي آخر بعد فترة وجيزة.»
نهض أبو قيس واتجه إلى غرفة السائق، بينما تسلق أسعد السلم الحديدي وبقي مروان جالساً في الظل. قال أبو الخيزران: «ألا تريد أن تنهض؟» «لماذا لا نستريح قليلاً؟» صاح أسعد من فوق: «سنستريح كثيراً بعد أن نصل وليس قبل ذلك! هيا!»
ضحك أبو الخيزران بصوت عالٍ ثم ضرب بكفه فوق كتف مروان وقال: «تعال اجلس إلى جانب أبي قيس، إنك نحيل ولن تضايقنا كثيراً، ثم إنك كما يبدو متعب جداً.»
صعد مروان فجلس إلى جانب أبي قيس، بينما صاح أبو الخيزران بصوت عالٍ قبل أن يغلق الباب: «البس قميصك يا أسعد وإلا شوهتك الشمس!» قال مروان لابي الخيزران بصوت مهين: «قل له أن يترك باب الفرن مفتوحاً عله يبرد!» صاح أبو الخيزران جذلاً: «واترك باب الخزان مفتوحاً!»
أُمَّ المحرك ومضت السيارة الكبيرة ترسم في الصحراء خطاً من الضباب يتعالى ثم يذوب في القيظ.
الشمس والظل
شق العالم الصغير الموهن طريقه في الصحراء مثل قطرة زيت ثقيلة فوق صفيحة قصدير متوحشة. كانت الشمس ترتفع فوق رؤوسهم مستديرة متوهجة براقة، ولم يعد أحد منهم يهتم بتجفيف عرقه. فرش أسعد قميصه فوق رأسه وطوى ساقيه إلى فخذيه وترك للشمس أن تشويه بلا مقاومة. أما مروان فقد اتكأ برأسه على كتف أبي قيس وأغمض عينيه، وكان أبو قيس يحدق إلى الطريق مطبقاً شفتيه بإحكام تحت شاربه الرمادي الكث.
لم يكن أي واحد من الأربعة يرغب في مزيد من الحديث، ليس لأن التعب قد أنهكهم فقط، بل لأن كل واحد منهم غاص في افكاره عميقاً... عميقاً. كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وآمالهم، وحتى ببؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم، كما لو أنها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول، وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحه ذلك الباب كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.
«سوف يكون بوسعنا أن نعلم قيساً، أن نشتري عرق زيتون أو عرقين، وربما نبني غرفة نسكنها وتكون لنا...»
«أنا رجل عجوز، قد أصل وقد لا أصل... أفتحيَبُ إذاً أن حياتك هنا أفضل كثيراً من موتك؟ لماذا لا تحاول مثلنا؟ لماذا لا تنهض من فوق تلك الوسادة وتضرب في بلاد الله بحثاً عن الخبز؟ هل ستبقى كل عمرك تأكل من طحين الاعاشة الذي تهرقت من أجل كيلو واحد منه كرامتك على عتبات الموظفين؟»
وتمضي السيارة فوق الأرض الملتهبة ويدوم محركها بلا هوادة...
«شفيقة امرأة بريئة، كانت صبية يافعة حين طوّحت قنبلة مورتار بساقها فبتَرَها الأطباء، بتروها من أعلى الفخذ... وأمه لا تحب أن يحكي إنسان عن أبيه...»
«زكريا راح... هناك في الكويت ستتعلم كل شيء، ستعرف كل شيء! أنت ما زلت فتى لا تفهم من الحياة إلا قدر ما يفهمه الطفل الرضيع من بيته، المدرسة لا تعلم شيئاً... لا تعلم سوى الكسل، فاتركها واغوص في المقلاة مثلما فعل سائر البشر...»
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة ويدور محركها بهدير شيطاني...
«ربما كانت قنبلة مزروعة في الأرض تلك التي داس عليها فيما كان يركض، أو ربما قذفها أمامه رجل كان مختبئاً في خندق قريب... كل ذلك لا يهم الآن! ساقاه معلقتان إلى فوق وكتفاه ما زالتا فوق السرير الأبيض المريح، والألم الرهيب يتلولب بين فخذيه... كانت ثمة امرأة تساعد الأطباء، كلما يتذكر ذلك يعبق وجهه بالخجل...»
«ثم ماذا نفعتك الوطنية؟ لقد صرفت حياتك مغامراً، ها أنت ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة! وما الذي أفدته؟ ليَكْسِرِ الفخارُ بعضه! أنا لست أريد الآن إلا مزيداً من النقود... مزيداً من النقود!»
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة ويدوي محركها بالهدير...
«دفعه الشرطي أمام الضابط فقال له: تحسب نفسك بطلاً وأنت على أكتاف البغال تتظاهرون في الطريق؟ بصق على وجهه ولكنه لم يتحرك، فيما أخذت البصقة تسيل ببطء نازلة من جبينه لزجة كريهة تتكون على قمة أنفه... اخرجوا! وحينما كان في الممر سمع الشرطي القابض على ذراعه بعنف يقول بصوت خفيض: يلعن أبوه البهدلة! ثم أطلقه فمضى يركض...»
«عمه يريد أن يزوجه ابنته، ولذلك يريده أن يبدأ، لولا ذلك لما حصل الخمسين ديناراً كل حياته...»
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة ويهدر محركها مثل فم جبار يزدرد الطريق...
الشمس في وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب أبيض، وشريط الغبار يعكس وهجاً يكاد يعمي العيون. كانوا يقولون لهم إن فلاناً لم يعد من الكويت لأنه مات، قتلته ضربة شمس! كان يغرس معوله في الأرض حين سقط فوقه وفوقها... «وماذا؟» «ضربة شمس قتلته، تريدون أن تدفنوه هنا أو هناك؟ هذا كل شيء!»
ضربة شمس... هذا صحيح، من الذي سماها ضربة؟ ألم يكن عبقرياً؟ كان هذا الخلاء عملاقاً خفياً يجلد رؤوسهم بأسواط من نار وقار مغلي، ولكن أيمكن للشمس أن تقتلهم وتقتل كل الزخم المطوي في صدورهم؟ كان الأفكار كانت تسيل من رأس إلى رأس وتخفق بهواجس واحدة، لقد التقت العيون فجأة: نظر أبو الخيزران إلى مروان ثم إلى أبي قيس فوجده يحدق به بدوره. حاول أن يبتسم ولكنه لم يستطع، فمسح عرق جبينه بكمه وقال بصوت خفيض: «هذه جهنم التي سمعت عنها... جهنم الله!» «نعم.»
مد أبو الخيزران يده فأطفأ المحرك ثم نزل ببطء فتبعه مروان وأبو قيس، بينما بقي أسعد معلقاً فوق. جلس أبو الخيزران في ظل السيارة وأشعل لفافة، ثم قال بصوت خفيض: «لنسترح قليلاً قبل أن نبدا التمثيلية مرة اخرى.» قال أبو قيس: «لماذا لم تتحرك بنا مساء أمس فتوفر علينا برودة الليل كل هذه المشقة؟» قال أبو الخيزران دون أن يرفع بصره عن الأرض: «الطريق بين صفوان والمطلاع تمتلئ بالدوريات في الليل، في النهار لا يمكن لاية دورية أن تغامر باستطلاع في مثل هذا القيظ.»
قال مروان: «إذا كانت سيارتك معصومة من التفتيش، فلماذا لا نبقى خارج ذلك السجن الرهيب؟» قال أبو الخيزران بحمدة: «لا تكن سخيفاً! هل أنت خائف إلى هذا الحد من البقاء خمس أو ست دقائق في الداخل؟ لقد اجتزنا أكثر من نصف الطريق ولم يبقَ إلا الأسهل.»
نهض أبو الخيزران واقفا، ثم اتجه إلى المطارة المعلقة خارج الباب وفتحها: «سوف أقيم لكم حفلة غداء رائعة حين نصل، سأذبح دجاجتين!» رفع المطارة وصب في فمه الماء فبدأ يسيل من ركنيه مزرزباً إلى ذقنه ثم إلى قميصه المبتل، وحين ارتوى صب ما تبقى في المطارة فوق رأسه وترك الماء يسيل على عنقه وصدره وجبينه، وبدا شكله عجيباً. علق المطارة من جديد خارج الباب وقرّش كفيه الكبيرتين وصاح: «هيا بنا! لقد تعلمتم الصنعة جيداً... كم الساعة الان؟ إنها الحادية عشرة والنصف، احسبوا سبع دقائق على الأكثر وأفتح لكم الباب، تذكروا ذلك جيداً: الحادية عشرة والنصف!»
نظر مروان إلى ساعته وهز رأسه، لقد حاول أن يقول شيئاً إلا أنه لم يستطع، فمشى خطوات قليلة إلى السلم الحديدي وبدأ يتسلقه. طوى أسعد قميصه وغاص في الفوهة، تردد مروان قليلاً ثم تبعه متكئاً ببطنه فوق الحافة منزلقاً ببراعة وقسوة، بينما هز أبو قيس رأسه وقال: «سبع دقائق!»
ربد أبو الخيزران على كتف أبي قيس ونظر مباشرة في عينيه، كانا واقفين هناك معا يتصببان عرقاً ولكنهما لم يستطيعا الكلام. تسلق أبو قيس السلم بثبات، ثم أسقط ساقيه داخل الفوهة فأعانه الشبان على النزول. أغلق أبو الخيزران الباب ودَوَّر الذراع المضلعة دورتين، ثم قفز إلى الأرض متعجلاً وانطلق إلى مقعده.
بعد دقيقة ونصف فقط اجتاز أبو الخيزران بسيارته الباب الكبير المفتوح في الأسلاك الشائكة المشدودة حول مركز المطلاع، وأوقف سيارته أمام السلم العريض الذي يرقى إلى البناء المقرمد ذي الطابق الواحد الذي تمتد على جانبيه غرف صغيرة ذات شبابيك واطئة مغلقة، بينما تقوم بضع عربات لبيع المأكولات قبالته. وكانت أصوات مكيفات الهواء تملأ الساحة بالضجيج.
لم يكن ثمة غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالانتظار، كان الصمت مطبقاً بكثافة إلا من أصوات هدير مكيفات الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، ولم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع إلى جانب الدرج العريض.
ارتقى أبو الخيزران الدرج مسرعاً واتجه إلى الغرفة الثالثة إلى اليمين، وفور أن فتح الباب ودخل أحس بنتيجة النظرات التي انصبت عليه من قبل الموظفين أن شيئاً ما سوف يحدث، إلا أنه لم يتباطأ ودفع أوراقه أمام الموظف السمين الذي كان يجلس في صدر الغرفه.
«أبو خيزرانة!» قال الموظف وهو ينحي الأوراق من أمامه بلا مبالاة متعمده ويكتف ذراعيه فوق الطاولة الحديدية: «أين كنت كل هذا الوقت؟» قال أبو الخيزران لاهثاً: «في البصرة.» «سأل عنك الحاج رضا أكثر من ست مرات!» «كانت السيارة معطلة.»
ضج الموظفون الثلاثة الذين يشغلون الغرفة ضاحكين بصخب، فالتفت أبو الخيزران حواليه حائراً، ثم ثبت نظره على وجه الرجل السمين: «ما الذي يضحككم في هذا الصباح؟» تبادل الموظفون النظر ثم انفرجوا ضاحكين من جديد. قال أبو الخيزران متوتراً وهو ينقل قدماً ويضعها مكان الأخرى: «والآن يا أبا باقر، لا وقت لديّ للمزاح ارجوك!»
مد يده فقرب الأوراق إلى أمامه، إلا أن أبا باقر عاد فلحى الأوراق إلى طرف الطاولة وكتف ذراعيه من جديد وهو يبتسم ابتسامة خبيثة: «سأل عنك الحاج رضا ست مرات!» «قلت لك كانت السيارة معطلة، ثم إنني والحاج رضا نستطيع أن نتفاهم حين نلتقي... وقع الأوراق رجاء إنني على عجل!» قرب الأوراق من جديد، إلا أن أبا باقر نحاها مرة اخرى: «كانت سيارتك معطلة؟» «نعم... ارجوك إنني مستعجل!»
نظر الموظفون الثلاثة إلى بعضهم وضحكوا بخبث ولكن بصوت خفيض. كانت طاولة أحدهم فارغة تماماً إلا من كاس شاي زجاجي صغير، وكان الآخر قد كف عن عمله وأخذ يتابع ما يحدث. قال الرجل السمين المسمى أبا باقر وهو يتجشأ: «والآن كن عاقلاً يا أبا خيزرانة! لماذا تتعجل السفر في مثل هذا الطقس الرهيب؟ الغرفة هنا باردة وسوف أطلب لك استكانة شاي فتمتع بالنعمة!»
حمل أبو الخيزران الأوراق ثم تناول القلم من أمام أبي باقر، فانحنى ودفع له القلم وهو يدفع بذراعه كتف أبي باقر: «في طريق عودتي سأجلس عندك ساعة، لكن الآن دعني أمشِ كرامة لباقر وأم باقر... خذ!»
إلا أن أبا باقر لم يمد يده وبقي يحدق إليه بعينين بلهوين وهو على وشك أن ينفجر في الضحك: «اه يا ملعون يا أبا خيزرانة! لماذا لا تتذكر أنك على عجلة حين تكون في البصرة؟» «قلت لك كانت السيارة في الكراج!» دفع له القلم مرة اخرى إلا أن أبا باقر لم يتحرك: «لا تكذب يا أبا خيزرانة لا تكذب! الحاج رضا حكى لنا القصة من الألف إلى الياء!» «أية قصة؟»
نظر الجميع إلى بعضهم فيما انقلب وجه أبي الخيزران الهزيل فصار مبيضاً من فرط الرعب، وأخذ القلم يرتجف في يده: «قصة تلك الراقصة... ما اسمها يا علي؟» أجاب علي من وراء الطاولة الفارغة: «كوكب!» ضرب أبو باقر طاولته بيده واتسعت ابتسامته: «كوكب... كوكب يا أبا خيزرانة يا ملعون! لماذا لا تحكي لنا قصصك في البصرة؟ تمثل أمامنا أنك رجل مهذب ثم تمضي إلى البصرة فتمارس الشرور السبعه مع تلك الراقصة كوكب! آه كوكب... هذا هو الاسم!»
صاح أبو الخيزران محاولاً أن لا يتجاوز حد المزاح: «أي كوكب وأي بطيخ؟ دعني أمضِ قبل أن يطردني الحاج!» قال أبو باقر: «لا يمكن! حدثنا عن تلك الراقصة، الحاج يعرف قصتك كلها وقد رواها لنا!» «هيا إذاً رواها الحاج لكم فلماذا تريدونني أن أرويها مرة اخرى؟»
وقف أبو باقر وصاح كالثور: «إذاً أنها قصة حقيقية... قصة حقيقية!» دار حول الطاولة حتى صار في منتصف الغرفة، كانت القصة الفاجرة قد هيجته، لقد فكر بها ليل نهار وركب فوقها كل المجون الذي خلقه حرمانه الطويل. كانت فكرة أن صديقاً له قد ضاجع عاهرة ما فكرة مهيجة تستحق كل تلك الأحلام! «تذهب إلى البصرة وتدعي أن السيارة قد تعطلت، ثم تمضي مع كوكب أسعد ليالي العمر؟ يا سلام يا أبا خيزرانة يا سلام يا ملعون! ولكن قل لنا: كيف أحبتك؟ الحاج رضا يقول إنها من فرط حبها لك تصرف نقودها عليك وتعطيك شيكات! اه يا أبا خيزرانة يا ملعون!»
اقترب منه، كان وجهه محمراً وكان من الواضح أنه أمضى وقتاً طيباً وهو يتفكر في القصة كما رواها الحاج رضا له على الهاتف. انحنى فوق أذنه وهمس بصوت مبحوح: «أتراها فحولتك أم قلة الرجال؟»
ضحك أبو الخيزران ضحكة هستيرية، ودفع الأوراق إلى صدر أبي باقر الذي تناول القلم دون وعي منه وأخذ يوقعها وهو يرتج بالضحك المكبوت. ولكن حين مد أبو الخيزران يده ليتناولها خَبّأَها أبو باقر وراء ظهره ومد ذراعه الأخرى بينه وبين أبي الخيزران: «في المرة القادمة سأذهب معك إلى البصرة وتوافق تعرّفني على كوكب... هذا الحاج رضا يقول إنها جميلة حقاً!» قال أبو الخيزران راجفاً وهو يمد ذراعه محاولاً أن يصل إلى الأوراق: «موافق بشرفك... بشرفك!»
ضج أبو باقر بالضحك من جديد، وأخذ يهز رأسه المدور وهو يعود إلى مكتبه، بينما اندفع أبو الخيزران باوراقه إلى الخارج وصوت أبي باقر يلاحقه: «يا ملعون يا أبا خيزرانة! خدعنا أكثر من سنتين وانكشف الآن... آه يا ملعون يا أبا خيزرانة!»
اقتحم أبو الخيزران الغرفة الأخرى وهو يحدق إلى ساعته، كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا ربعاً. توقيع الأوراق الأخرى لم يستغرق أكثر من دقيقة، وحين صفق وراءه الباب لسعه القيظ من جديد، ولكنه لم يهتم بالأمر وققز الدرج العريض مثنى مثنى حتى صار أمام سيارته. حدق إلى الخزان لحظة، وخيل إليه أن حديده على وشك أن ينصهر تحت تلك الشمس الرهيبة.
استجاب المحرك لاول ضغطة وطوى الباب في لحظة دون أن يلوح للحارس. الطريق الآن معبدة تماماً، وأمامه دقيقة أو دقيقة ونصف ليتجاوز أول منعطف يحجبه عن مركز المطلاع. لقد اضطر إلى تخفيف السرعة قليلاً حين التقى سيارة شحن كبيرة، ثم عاد فأطلق لسيارته كل العنان الممكن. وحين وصل إلى المنعطف صفرت العجلات صفيراً متواصلاً كأنه النواح، وكادت أن تمس الرصيف الرملي وهي تقوم بدورتها الشيطانية الواسعة.
لم يكن في رأسه أي شيء سوى الرعب، وخيل إليه أنه على وشك أن يقع فوق مقوده مغشياً عليه. كان المقود ساخناً وكان يحسه يحرق كفيه الخشنتين ولكنه لم يخفف من تمسكه به، كان المقعد الجلدي يلتهب من تحته وكان زجاج الواجهة مغبراً يتوهج ببريق الشمس. أزيز عريض ترسله العجلات كأنها تسلخ الأسفلت سلخاً.
أكان من الضروري أن تتفلسف يا أبا باقر؟ أكان من الضروري أن تطرق كل قاذوراتك على وجهي وعلى وجههم؟ يا لعنة الاله العلي القدير عليك! يلعنك الاله عليك يا أبا باقر وعليك يا حاج رضا يا كذاب! الراقصة كوكب؟ يلعنكم الله كلكم!
أوقف السيارة بعنف وتسلق فوق العجلة إلى سطح الخزان، وحين لامست كفاه السطح الحديدي أحس بهما تحترقان، ولم يستطع أن يبقيهما هناك فسحبهما واتكأ بكميه عند الكوعين فوق حديد السطح، ثم زحف إلى القفل المضلع وأمسكه بطرف قميصه الأزرق ودَوَّرَهُ فانفتح مقرقعاً، واستوى القرص الحديدي الصدئ مستقيماً فوق مفصله.
حين ترك القرص لمح عقارب الساعة الملتفة على زنده، كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا تسع دقائق، وكان زجاجها المدور قد تشقق شقوقاً مضلعة صغيرة.
الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة، كان وجه أبي الخيزران مشدوداً إليها متشنجاً وشفته ترتجف باللهث والرعب. سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي وما لبثت أن جفت. وضع كفيه على ركبتيه وقوّس ظهره المبتل حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء، وصاح بصوت خشبي يابس: «أسعد!»
دوى الصدى داخل الخزان فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداؤه الأول صاح مرة اخرى. وضع كفين صليبتين فوق حافة الفوهة واعتمد على ذراعيه القويتين، ثم انزلق إلى داخل الخزان.
كان ظلام شديد في الداخل، حتى إنه لم يستطع أن يرى شيئا بادئ الأمر، وحين نحى جسده بعيداً عن الفوهة سقطت دائرة ضوء صفراء إلى القاع، وأضاءت صدراً يملؤه شعر رمادي كث، أخذ يلتمع متوهجاً كأنه مطلي بالقصدير. انحنى أبو الخيزران ووضع أذنه فوق الشعر الرمادي المبتل... كان الجسد بارداً وصامتاً.
مد يده وتحسس طريقه إلى ركن الخزان، كان الجسد الآخر ما زال متمسكاً بالعارضة الحديدية، حاول أن يهتدي إلى الرأس فلم يستطع أن يتحسس إلا الكتفين المبتلين، ثم تبين الرأس منحدراً إلى الصدر، وحين لامست كفه الوجه سقطت في فم مفتوح على وسعه.
أحس أبو الخيزران أنه على وشك أن يختنق، كان جسده قد بدأ ينزف عرقاً بشكل مريع حتى بات يشعر أنه مدهون بالزيت الثقيل، ولم يدرِ أهو يرتجف بسبب أطباق هذا الزيت على صدره وظهره أم بسبب الرعب؟ تحسس طريقه منحنياً إلى الفوهة، وحين أخرج رأسه منها لم يدرِ لماذا سقطت في ذهنه صورة وجه مروان؟ سقطت في ذهنه دون أن تبرح، لقد أحس بالوجه يلبسه من الداخل مثل صورة ترتجف على حائط، فأخذ يهز رأسه بعنف وهو ينسل من الفوهة، فتحرق رأسه شمس لا ترحم.
وقف يلهث هواء جديداً، لم يكن يستطيع أن يفكر بأي شيء، كان وجه مروان يطغى في رأسه مثل نبعة انبثقت هادرة من الأرض شامخة إلى علو رهيب. وحين وصل إلى كرسيه تذكر أبا قيس، كان قميصه ما زال موضوعاً على المقعد إلى جانبه، فتناوله بأصابعه وقذف به بعيداً، ودور محرك سيارته فبدأ يهدر من جديد، ومضت السيارة تدرج فوق المنحدر ببطء وجبروت.
التفت وراءه عبر نافذة المشبك الصغيرة، فشاهد القرص الحديدي مفتوحاً مستوياً فوق مفصله، يأكل باطنه الصدأ. وفجأة غاب القرص الحديدي وراء نقاط من الماء المالح ملأت عينيه، كان الصداع يتاكله وكان يحس بالدوار إلى حد لم يعرف فيه هل كانت هذه النقاط المالحة دموعاً أم عرقاً نزفه جبينه الملتهب؟
القبر
قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجهاً إلى خارج المدينة النائمة. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق، وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة وسوف يعم الظلام، فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت.
انحرف بسيارته عن الطريق الأسفلتي، ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء. لقد استقر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم واحداً واحداً في ثلاثة قبور، أما الآن فإنه يحس بالتعب يتاكله، فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر لا طاقة له على العمل، ولن يكون بوسعه أن يحمل الرفش ساعات طويلة ليحفر ثلاثة قبور قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كراج الحاج رضا.
قال في ذات نفسه إنه لن يدفنهم، بل سيلقي بالاجساد الثلاثة في الصحراء ويكر عائداً إلى بيته. الآن لم تعجبه الفكرة: لا يروقه أن تذوب أجساد الرفقاء في الصحراء ثم تكون نهباً للجوارح والحيوانات، ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل!
درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي ومضى هو يفكر، لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح، كانت أشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف أو ترابط أو تفسير، وكان يشعر بارهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل.
هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة... هنا تكب البلدية القمامة! ثم فكر: لو أُلقِيَتِ الأجسادُ هنا لاُكْتُشِفَتْ في الصباح ولَدُفِنَتْ بإشراف الحكومة!
دَوَّر مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل، ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرين وصار متمهلاً على ضوء الفانوسين الصغيرين. وحين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عالية أطفأ الفانوسين الصغيرين.
كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه ولكنه ما لبث أن اعتادها، ثم أوقف سيارته وهبط. وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتاكد من أن أحداً لا يشاهده، ثم صعد ظهر الخزان... كان بارداً رطباً.
دَوَّر القفل المضلع ببطء ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع، اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة. كانت الجثة الأولى باردة صلبة، ألقى بها فوق كتفيه، أخرج الرأس أولاً من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق، وسمع صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان، ثم صوت ارتطامها المخنوق على الرمل.
لقد لقي صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه مستقيمة متشنجة وسمع صوت ارتطامها. أما الجثة الثالثة فقد كانت أسهل من اختيها.
قفز إلى الخارج وأغلق الفوهة ببطء ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفاً مطبقاً وأحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه. جر الجثث واحدة واحدة من أقدامها وألقاها على رأس الطريق حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
فعاد إلى المقعد ودَوَّر المحرك ثم كر عائداً إلى الوراء ببطء، محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالأثار الأخرى. كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماماً، ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطاً، فأطفأ محرك سيارته من جديد وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث، فأخرج النقود من جيبها وانتزع ساعة مروان وعاد أدراجه إلى السيارة ماشياً على حافتي حذائه.
حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقاً إلى فوق، تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه، بقي واقفاً متشنجاً في مكانه محاولاً أن يفعل شيئاً أو يقول شيئاً. فكر أن يصيح، إلا أنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة. حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا أنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل، لقد شعر بأن رأسه على وشك أن ينفجر، وصعد كل التعب الذي كان يحسه فجأة إلى رأسه وأخذ يطن فيه، حتى إنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة، ولكنها كانت ما تزال هناك: كبيرة داوية ضخمة، لا تتزعزع ولا تتوارى.
التفت إلى الوراء حيث ألقى بالجثث إلا أنه لم يرَ شيئاً، ولم تجدِ النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراماً فبدأت تشتعل في رأسه. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها، فأسقط يديه إلى جبينه وحدق في العتمة موسعاً حدقتيه.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجة على لسانه: «لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟»
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع، فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود: «لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟»
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟!»
اترك تعليقاً على هذا العمل