رواية عروس الهواري الفصل الثامن والأخير بقلم أسماء السيد
عدّت ليلة طويلة وأنا مش عارفة أنام، وكل ما أغمض عيني، يطلعلي نفس السؤال اللي بقى يطاردني من ساعة ما قريت رسالة لين.
ناصيف كان عارف إنها هتهرب؟
وليه اتجوزني أنا بالذات؟
مع أول خيط نور دخل الأوضة، قمت من مكاني بهدوء، ولبست إسدالي، وخرجت ناحية البلكونة. كنت محتاجة أتنفس بعيد عن الأفكار اللي هتجنني.
لكن قبل ما ألحق أرتب أفكاري، سمعت صوته من ورايا:
— صباح الخير يا دكتورة… هو إنتِ ناوية تفضلي صاحية طول الليل والنهار كمان؟!
لفيت ناحيته، ولقيته واقف عند الباب، وشكله لسه صاحي من النوم.
قلت بتردد:
— ناصيف، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
اختفت ابتسامته بالتدريج، وبصلي بتركيز.
— خير يا أسما؟ فيه إيه؟
مسكت الموبايل بإيد بتترعش، وفتحته على الرسالة اللي وصلتني من لين، ومديتهوله.
— اقرأ دي.
أخد الموبايل، وبدأ يقرأ. ومع كل كلمة، ملامحه كانت بتتغير. ولما خلص، رفع عينيه ناحيتي، وسألني بهدوء:
— إنتِ شاكّة فيا يا أسما؟
حسيت بالدموع بتتجمع في عيني، لكني تماسكت وقلت:
— أنا مش عايزة أظلمك، والله. بس الرسالة دي خلتني أشك في كل حاجة. أنا محتاجة أعرف الحقيقة، حتى لو كانت هتوجعني.
سكت ناصيف لحظات، وبعدها حط الموبايل على الترابيزة، وقعد على الكرسي المقابل ليا.
— حقك تعرفي يا أسما، وحقك تسأليني كمان. بس اسمعيني للآخر، وبعدها احكمي عليّا زي ما إنتِ عايزة.
قعدت قدامه، وقلبي بيدق بعنف.
بدأ كلامه بصوت هادي:
— أنا عرفت قبل الفرح بيوم إن لين مش عايزة تكمل الجوازة. وصلني كلام إنها بتخطط تهرب، لكن مكنتش أعرف هتهرب إمتى ولا هتروح فين. حاولت أتأكد من الحكاية، بس كل حاجة حصلت بسرعة، ومقدرتش أوصلها.
بصيتله بصدمة.
— يعني إنت كنت عارف؟!
هز راسه وقال:
— عرفت إن فيه احتمال إنها تهرب، أيوه. لكن مكنتش شريك في هروبها، ولا ساعدتها، ولا كنت عايز اللي حصل ده يحصل بالطريقة دي.
حسيت بوجع في قلبي، وسألته:
— طب وليه اتجوزتني أنا؟ ليه وافقت لما أبويا عرض عليّ الجوازة بدلها؟ كنت عايز تنتقم مننا؟
تنهد ناصيف، وسند ضهره للكرسي.
— أبوكي هو اللي جه واتكلم معايا، وأنا وافقت بعد ما شفتك وقعدت معاكي. يمكن إنتِ مش فاكرة، بس أنا شوفتك قبل كده في المستشفى، يوم ما ساعدتي واحدة كبيرة كانت تعبانة ومفيش حد حواليها. يومها عرفتك من بعيد، وعجبني إنك مدّيتي إيدك للمريضة من غير ما تستني شكر من حد.
فضلت باصة له، مش قادرة أستوعب كلامه.
كمل وهو بيبص في عيني:
— لما عرفت إنك بنت وهدان، وإنك أخت لين، اترددت. كنت عارف إن جواكي وجع ومشاكل كتير بسبب اللي حصل. لكن لما شوفتك قدامي، وعرفت إنك داخلة الجوازة دي وإنتِ مش مختارة كل تفاصيلها، كان قدامي اختيارين: يا إما أكون سبب في وجع جديد ليكي، يا إما أحاول أديكي فرصة تعيشي حياة مختلفة.
سألته بصوت مرتعش:
— وعشان كده كنت بتعاملني كويس؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— أنا مش ملاك يا أسما، وعندي عيوبي، وبعرف أتعصب وأغلط زي أي حد. بس عمري ما اعتبرتك وسيلة أنتقم بيها من حد. إنتِ مش ذنبك اللي عملته لين، ولا ذنبك مشاكل الكبار.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
كنت خايفة من الحقيقة، لكن الحقيقة اللي قدامي كانت مختلفة عن كل السيناريوهات اللي رسمتها في دماغي.
ومع ذلك، كان فيه سؤال أخير لازم أسأله.
— طب لين؟ إنت تعرف هي راحت فين؟
هز راسه بالنفي.
— لأ. لكن لو عايزة تعرفي الحقيقة منها، هساعدك نوصل لها بالطريقة الصح.
مسحت دموعي، وقلت:
— أنا مش عايزة أرجع أعيش في دوامة المشاكل دي. أنا بس عايزة أفهم ليه أختي عملت فيا كده.
رد ناصيف بهدوء:
— وده حقك. بس خلي بالك من حاجة يا أسما… مش كل سؤال لازم إجابته تيجي على حساب راحتك. ساعات بنحتاج نقفل أبواب قديمة علشان نعرف نعيش.
سكتُّ، وبعدين بصيتله وقلت:
— وأنا أقدر أثق فيك؟
قرب كرسيه شوية، لكنه فضل محافظ على المسافة اللي تريحني.
— الثقة مش كلمة أقولها فتصدقيها. الثقة هبنيهالك يوم ورا يوم، بتصرفاتي، مش بوعودي. ولو في يوم حسّيتي إني غلطت في حقك، من حقك تواجهيني.
كانت أول مرة أحس إن حد بيكلمني من غير ما يفرض عليّا أصدقه، أو يطلب مني أسكت وأتقبل كل حاجة.
مديت إيدي ومسحت دموعي، وقلت بابتسامة صغيرة:
— طب يا ناصيف… أنا لسه زعلانة منك.
رفع حاجبه وقال:
— مني أنا؟! أمال عملت إيه يا ست أسما؟!
قلت بجدية مصطنعة:
— علشان كنت عارف إن لين ممكن تهرب، ومقولتليش.
اتنهد وقال:
— عندك حق. كان المفروض أقولك اللي أعرفه، حتى لو مكنتش متأكد من كل التفاصيل. وأنا آسف.
كلمة «آسف» منه فاجأتني. مكنتش متوقعة إنه يعترف بغلطه بسهولة كده.
ابتسمت رغمًا عني، فقال بسرعة:
— أهو! ضحكتي أخيرًا! ده أنا كنت هطلب لجنة من الدكاترة تشوفلي حل في الوش المكشر ده!
ضحكت وأنا بهز راسي:
— إنت مستحيل تبطل رغي؟
رد وهو بيقف:
— أبطله إزاي بس؟ ده الرغي هو اللي مخلي البيت فيه روح!
ولأول مرة من ليلة فرحي، ضحكت من قلبي من غير ما يكون جوايا خوف بيشدني لورا.
عدّت أيام، وبدأت أتعرف على ناصيف أكتر. اكتشفت إنه مش كامل، لكنه بيحاول، وإن ورا صوته الهادي وهزاره المستمر قلب عنده استعداد يسمعني ويحترم خوفي.
وفي يوم، وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت بحذر:
— ألو؟
جالي صوت لين من الناحية التانية، متردد ومكسور:
— أسما… أنا لين.
اتجمدت مكاني. للحظة، رجعت كل الذكريات القديمة، وكل الخناقات والكلام اللي وجعني منها.
قلت بصوت بارد:
— إنتِ عايزة إيه يا لين؟
سكتت شوية، وبعدين قالت:
— عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس أنا محتاجة أقولك الحقيقة. أنا اللي هربت، وأنا اللي اخترت أسيب الفرح وأمشي. كنت خايفة من الجوازة، وخفت أواجه بابا وأقوله إني مش عايزة أكمل.
غمضت عيني وأنا بحاول أستوعب اعترافها.
— طب وأنا ذنبي إيه؟ ليه سيبتيني أواجه كل ده لوحدي؟ ليه اتحطيت مكانك من غير ما أعرف حاجة؟
صوتها اتكسر وهي بترد:
— كنت جبانة يا أسما. فكرت في نفسي وبس، ومفكرتش في اللي ممكن يحصل لك. ولما عرفت إنك اتجوزتي ناصيف، خوفت أكلمك. كنت فاكرة إنك هتكرهيني أكتر، وكنت خايفة أواجه غلطتي.
سكتُّ طويلًا، ثم قلت:
— أنا مش عارفة أسامحك دلوقتي يا لين. اللي حصل وجعني، وخلاني أشك في كل الناس اللي حواليا. بس على الأقل، أخيرًا سمعت الحقيقة منك.
بكت لين وقالت:
— أنا آسفة يا أسما. مش هطلب منك تسامحيني حالًا، بس أتمنى ييجي يوم نقدر نتكلم فيه من غير ما كل وجعنا القديم يقف بينا.
قفلت المكالمة بعد ما اتفقنا إننا نتقابل في وقت مناسب، بعيد عن تدخلات العيلة وضغطها.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وفضلت قاعدة أفكر. كنت لسه موجوعة، لكني حسيت إن حملًا كبيرًا اتشال من على قلبي.
ناصيف دخل الأوضة، ولما شافني ساكتة، سألني:
— لين؟
هزيت راسي.
— أيوه. اعترفت إنها هربت بإرادتها، وإنها غلطت في حقي.
قعد جنبي وقال:
— وإنتِ حاسة بإيه دلوقتي؟
فكرت شوية، وبعدين قلت:
— موجوعة… بس مرتاحة إني عرفت الحقيقة. مش لازم أسامحها النهارده، ومش لازم أرجع علاقتنا زي الأول في يوم وليلة. بس على الأقل، مش هفضل طول عمري أسأل نفسي أنا عملت إيه علشان تستحق مني كل ده.
ابتسم ناصيف وقال:
— أهو ده الكلام. خدي وقتك يا أسما، ومحدش له حق يجبرك على حاجة.
بصيتله وقلت بمكر:
— يعني إنت مش هتجبرني أعمل حاجة؟
رد بسرعة:
— إلا حاجة واحدة!
ضيقت عينيّ.
— إيه هي؟
ابتسم ابتسامته المشاكسة وقال:
— إنك تبطلي تقوليلي يا ابن الهواري كل شوية! هو أنا مش جوزك برضه؟!
ضحكت، وقلت:
— لما تبطل تحرجني، هفكر في الموضوع!
هز راسه بيأس مصطنع:
— يا خسارة شبابي! دي طلعت أصعب من كل اللي قابلتهم!
ضحكنا إحنا الاتنين، وفي اللحظة دي حسيت إن البيت اللي دخلته وأنا خايفة وغريبة، بدأ يبقى مكان أقدر أتنفس فيه من غير ما أستعد لمعركة جديدة.
بعد مرور شهور، اتغيرت حاجات كتير.
بدأت أرجع لحياتي وشغلي، وناصيف كان بيشجعني أكمل طريقي وأحقق أحلامي. عمره ما طلب مني أسيب شغلي، ولا حاول يحسسني إن الجواز معناه إني أفقد نفسي أو استقلالي.
أما لين، فالعلاقة بينا بدأت تتحسن ببطء. مكنش فيه رجوع سهل لكل حاجة، لكن كان فيه اعتراف بالغلط ومحاولات حقيقية لإصلاح اللي اتكسر. وأنا فهمت إن المسامحة مش معناها أنسى الوجع، لكنها ممكن تكون قرار إني مفضلش أسيرة ليه طول العمر.
وفي مساء هادي، كنت واقفة في البلكونة، وناصيف جه وقف جنبي.
قال وهو بيبص للسما:
— فاكرة أول ليلة لينا هنا؟
ابتسمت وقلت:
— أيوه، وفاكرة كمان إنك كنت مستفز بطريقة غير طبيعية!
ضحك وقال:
— وأنا فاكر إنك كنتِ هتطلعي عيني علشان تردي على كل كلمة أقولها!
لفيت ناحيته وقلت:
— ولسه ممكن أطلع عينك عادي، متفتكرش إنك نجوت!
رفع إيده باستسلام:
— خلاص يا ستي، أنا استسلمت!
وبعد لحظة صمت، بقى جاد شوية، وبصلي وقال:
— أسما، أنا عارف إن جوازنا بدأ في ظروف مش سهلة، وإنك مكنتيش داخلاه وإنتِ مطمنة. بس عايزك تعرفي إنك من حقك تختاري حياتك بنفسك، كل يوم من جديد. أنا عايزك تفضلي معايا علشان إنتِ عايزة، مش علشان الظروف رمتك هنا.
حسيت إن الكلام وصل لقلبي قبل ما أفكر في الرد.
بصيتله وقلت:
— وأنا فضلت معاك علشان كل يوم كنت بتثبتلي إنك مش الشخص اللي كنت خايفة منه. مش علشان جوازي منك كان مكتوب عليّا، لكن علشان بدأت أختارك بإرادتي.
اتغيرت ملامحه، وظهرت على وشه ابتسامة صافية، بعيدة عن مشاكسته المعتادة.
مد إيده ليا، فحطيت إيدي في إيده.
قال بهدوء:
— يعني كده يا دكتورة، أقدر أقول إنك بتحبيني؟
رفعت حاجبي وقلت:
— متستعجلش على نفسك يا ابن الهواري!
ضحك وقال:
— طب أستنى قد إيه؟ سنة؟ اتنين؟ ولا أقدم طلب رسمي؟
ضحكت من قلبي، وبعدين بصيتله وقلت:
— بحبك يا ناصيف… بس أوعى تتغر!
سكت للحظة، وكأن الكلمة فاجأته رغم إنه كان بيحاول يسمعها مني من زمان. وبعدها ابتسم، وشد على إيدي برفق.
— وأنا بحبك يا أسما… وعمري ما هعتبر وجودك جنبي حق مكتسب. هفضل أحاول أكون الراجل اللي تستاهلي تثقي فيه.
ابتسمت، وأنا حاسة لأول مرة إن قلبي مش محتاج يفضل مستعد للخوف.
يمكن البداية مكانتش زي ما تمنيت، ويمكن الطريق كان مليان أسرار ووجع وسوء فهم، لكننا قدرنا نواجه الحقيقة، ونتعلم إن الحب مش مجرد كلام حلو، ولا غيرة، ولا وعود كبيرة.
الحب إنك تلاقي حد يسمعك، ويحترم خوفك، ويعتذر لما يغلط، ويسيبلك حرية الاختيار حتى وهو نفسه تكون جنبه.
بصيت للسما، وبعدها بصيت لناصيف اللي كان لسه بيبتسم، وقلت في سري:
يمكن القدر هو اللي جمعنا في البداية، لكن إحنا اللي اخترنا نكمل الطريق سوا.
ومن يومها، مبقتش عروس الهواري اللي دخلت بيت غريب وهي خايفة من المجهول.
بقيت أسما… اللي عرفت حقيقتها، وواجهت وجعها، وبدأت حياة جديدة بإرادتها.
تمت رواية عروس الهواري – ناصيف وأسما.
النهاية ❤️