رواية روايات غموض وإثارة 21 أكتوبر 2026

رواية عروس الهواري الفصل الخامس بقلم أسماء السيد

اسما السيد
مؤلف العمل
حجم الخط:
رواية عروس الهواري الفصل الخامس بقلم أسماء السيد
تجد أسما نفسها في موقف محرج مع زوجها ناصيف حين تخبره أن لديها عذرًا شرعيًا يمنعها من الصلاة، لكنه يفاجئها بتعامله الهادئ ومزاحه الذي يزيد ارتباكها. وبين لحظات التقارب والخوف من مواجهة عائلة الهواري، تبدأ أسما في اكتشاف جوانب جديدة من شخصية زوجها، بينما تظل الأسرار المحيطة بهروب أختها تهدد حياتهما الجديدة.

— خدي شاور واتوضي علشان نصلي.

قالها ناصيف بصوته العميق، وبعدها ساب إيدي أخيرًا، وكأن قربه مني من شوية ما كانش كفاية يقلب كياني كله!

اتحرك ناحية الحمام بكل هدوء، وسابني واقفة مكاني، مش عارفة أبص فين ولا أعمل إيه. كنت حاسة إن قلبي بيدق أسرع من الطبيعي، وخدودي مولعة من الكسوف، وكل ما أفتكر نظراته ليا أو طريقته وهو بيكلمني، أحس إن ارتباكي بيزيد بدل ما يقل.

هو إزاي بيقدر يعمل كده؟!

إزاي يقرب مني بالثقة دي، ويخليني مش عارفة أجمع كلمتين على بعض، وبعدها يرجع لهدوئه ووقاره كأن مفيش حاجة حصلت؟!

أما أنا، فبفضل واقفة أحارب ارتباكي لوحدي، وأحاول أقنع نفسي إن الراجل ده مجرد جوزي، وإن وجوده جنبي مش المفروض يخليني بالشكل ده.

بس الحقيقة كانت أصعب من إني أعترف بيها حتى لنفسي.

من ساعة ما دخلت حياته، وناصيف الهواري بيكشف لي في كل لحظة عن جانب جديد من شخصيته. الراجل اللي كنت فاكرة إنه قاسي ومتعجرف، طلع عنده هدوء غريب، وثقة مستفزة، وقدرة عجيبة على إنه يربكني من غير ما يبذل أي مجهود!

وفجأة، خرج من الحمام وهو بيمسح إيديه، واتجه ناحية الدولاب، وطلع منه سجادتين صلاة.

فرد واحدة على الأرض، وبعدين التفت ناحيتي.

— يلا يا أسما، اتوضيتي؟

اتجمدت مكاني.

يا نهار أبيض! أنا نسيت الموضوع ده خالص!

فضلت باصة له بتردد، وبحاول أرتب الكلام في دماغي، لكن كل ما أقرر أتكلم، أحس إن لساني بيتعقد أكتر.

ناصيف لاحظ سكوتي، فعقد حواجبه باستغراب.

— مالك؟ واقفة ليه؟!

بلعت ريقي، ولعبت في أطراف صوابعي بتوتر.

— أصل… هو… يعني…

رفع حاجبه، وقرب مني خطوة.

— يعني إيه يا دكتورة؟! في إيه؟

يا أرض انشقي وابلعيني!

كنت مستعدة أواجه نسوان عيلته كلهم من جديد، ولا إني أقف قدامه وأشرح له الموقف ده!

حاولت أرفع عيني، لكن نظراته الثابتة خلتني أوطيها بسرعة.

— ما هو… مش هينفع.

سكت لحظة، وبعدين سألني باستغراب:

— مش هينفع إيه؟ مش هينفع نصلي؟! ليه؟ إنتِ تعبانة؟

هزيت راسي بسرعة.

— لا، مش تعبانة.

— أمال في إيه؟!

قرب أكتر، وبدأ القلق يظهر على ملامحه.

— أسما، إنتِ كويسة؟ في حاجة مضايقاكي؟ قولي لي بدل ما تفضلي واقفة كده!

عضيت على شفايفي، وحسيت إن وشي بقى أحمر من شدة الكسوف.

يا ربي، هو لازم يفضل يسألني لحد ما أموت من الإحراج؟!

أخدت نفسًا صغيرًا، وبعدين همست بصوت بالكاد اتسمع:

— أنا عندي عذر شرعي يا ناصيف… مش هينفع.

فضل ساكت.

ولأول مرة من ساعة ما عرفته، حسيت إن ناصيف الهواري نفسه اتفاجئ من كلامي، وكأنه احتاج ثواني علشان يستوعب قصدي.

وبعدين لمحته بيمرر إيده على دقنه، وابتسامة صغيرة بدأت تظهر على طرف شفايفه، قبل ما يحاول يخفيها.

أما أنا، فكنت أتمنى لو أقدر أختفي من قدامه في اللحظة دي!

— طب وإيه اللي مكسفك في كده يا أسما؟!

قالها بنبرة هادية، فيها دفء واضح، خلتني أرفع عيني له للحظة قبل ما أرجع أوطيها.

— عادي يا ست البنات، محصلش حاجة.

وبعدين كمل بمنتهى البساطة:

— إنتِ مراتي، والحاجة دي لا عيب ولا فيها كسوف. طبيعي أعرف، ومش محتاجة تتوتري بالشكل ده.

يا خبر أبيض على البرود!

هو بيتكلم كأننا قاعدين بنتناقش في لون الحيطة، مش في موضوع أنا نفسي كنت مكسوفة أفكر فيه!

حاولت أغير الموضوع، فقلت بسرعة:

— خلاص، حضرتك صلّي، وأنا هقعد هنا.

ابتسامته اتسعت شوية، وكأنه اكتشف أخيرًا قد إيه أنا مرتبكة.

— حاضر يا ستي، هصلي. وإنتِ ادعي لنا من مكانك.

هزيت راسي بسرعة، وأنا حاسة بامتنان حقيقي إنه ما حاولش يحرجني أكتر من كده.

لكن قبل ما يلف ناحية القبلة، سمعت صوته بيقول بنبرة فيها مزاح خفيف:

— بس المرة الجاية، لما يكون في حاجة مضايقاكي، قوليها على طول. مش لازم تلفي وتدوري وتخليني أفتكر إن في مصيبة جديدة!

رفعت عيني له بصدمة.

— مصيبة؟! هو أنا كل ما أتكلم هتفتكر إني جاية أعمل لك مصيبة؟!

ضحك ضحكة خفيفة، وقال:

— ده أنا لسه بحاول أفهم حياتي من ساعة ما بقيتي فيها يا بت وهدان!

شهقت باعتراض مصطنع.

— نعم؟! أنا اللي عملت لك إيه بس؟!

بص لي بطرف عينه، وعلى شفايفه ابتسامة مستفزة.

— إنتِ لسه هتسألي؟!

وبعدين سابني واقفة، واتجه ناحية سجادة الصلاة.

فضلت باصة له بغيظ، وأنا مش عارفة أصدق إن الراجل اللي من شوية كان بيحاول يطمنني، هو نفسه اللي بيعرف يستفزني بكلمتين!

لكن، رغم كل ده، ما قدرتش أمنع ابتسامة صغيرة من الظهور على وشي.

ناصيف الهواري طلع أخطر بكتير مما كنت متخيلة.

مش لأنه بيزعق، ولا لأنه صاحب شخصية قوية تخلي اللي قدامه يحسب لكل كلمة حساب، لكن لأنه بيعرف يغير أسلوبه في لحظة؛ من الجدية للهدوء، ومن الحزم للمزاح، وكأنه متحكم في كل تفصيلة حواليه.

إلا أنا.

أنا الوحيدة اللي كل ما أحاول أفهمه، ألاقي نفسي محتارة أكتر!

وقفت بعيد عنه، أراقبه وهو بيستعد للصلاة، وبدأ الهدوء يرجع للمكان تدريجيًا.

للحظات، نسيت كل اللي حصل من شوية، ونسيت نظرات سيلين وكلام الحاجة بخيتة، وحتى خوفي من اليوم اللي جاي.

لكن سرعان ما افتكرت إني لسه في بداية حياتي مع الراجل ده، وإن الأيام الجاية ممكن تكشف لي حاجات ما كنتش مستعدة لها.

بصيت ناحية سجادة الصلاة، وضممت إيدي لبعض، ودعيت ربنا من قلبي إنه يقدرني على اللي جاي، وإنه يهدّي النفوس بيني وبين عيلة الهواري.

وبعد ما انتهى ناصيف من صلاته، رفع إيديه بالدعاء، وفضل للحظات ساكت، في هدوء مختلف تمامًا عن شخصيته اللي عرفتها.

ولما خلص، لقيته بيلتفت ناحيتي.

— دعيتِ لنا؟

اتكسفت من سؤاله، لكني رديت بهدوء:

— أيوه.

— ودعيتِ لنفسك؟

هزيت راسي.

— طبعًا.

قرب من السجادة، ورفعها من الأرض، وبعدين قال:

— كويس. علشان الواحد ساعات بيكون محتاج دعوة صادقة أكتر من أي حاجة تانية.

بصيت له باستغراب. كان في نبرة صوته شيء مختلف، شيء خلاني أحس إن الكلام مش مجرد جملة عابرة.

لأول مرة، تساءلت: هل ناصيف الهواري عنده هموم بيخبيها ورا قوته دي؟ وهل في حياته حاجات محدش يعرف عنها حاجة؟

كنت هسأله، لكني تراجعت في آخر لحظة.

لسه بدري على الأسئلة دي.

ولسه بدري كمان على إني أصدق إن الراجل ده ممكن يكون سهل الفهم.

اتجه ناحية الكرسي، وأخد عبايته، وبعدها بص لي وقال:

— يلا، ارتاحي شوية. بكرة عندنا يوم طويل.

اتغيرت ملامحي بمجرد ما افتكرت اللي حصل في الليلة اللي فاتت.

— هو إيه اللي هيحصل بكرة؟

بص لي نظرة قصيرة، وبعدين رد:

— مش عارف. لكن متأكدة إن نسوان العيلة مش هيسيبوا الموضوع يعدي بسهولة، وأبوي أكيد هيكون له كلام معايا.

نزلت عيني، وشعرت بالقلق يرجع يتسلل إلى قلبي.

— يعني لسه هيفضلوا يتكلموا عني؟

ناصيف سكت لحظات، وبعدين قال بنبرة حاسمة:

— خليهم يتكلموا. طول ما إنتِ ما عملتيش حاجة غلط، ما تخليش كلام حد يهزك.

رفعت عيني له، وكنت عايزة أصدقه، لكن الخوف اللي جوايا كان أكبر من أي كلام.

— سهل تقول كده يا ناصيف. إنت متعود على الناس، وعلى إن الكل يسمع كلامك. لكن أنا لسه غريبة عنهم.

بص لي طويلًا، وكأنه بيفكر في كلامي.

— عندك حق. إنتِ لسه غريبة عن البيت، وأنا مش هقدر أطلب منك تتعودي على كل حاجة في يوم وليلة.

وبعدين أضاف بهدوء:

— لكن هتتعلمي، وهم كمان هيتعلموا يتعاملوا معاكي.

ما عرفتش إذا كان كلامه وعدًا حقيقيًا، ولا مجرد محاولة منه علشان يطمني.

كل اللي عرفته إني، لأول مرة من ساعة ما اتجوزته، حسيت إنه مش شايفني مجرد حل للمشكلة اللي سببتها أختي.

يمكن لسه ما فهمنيش، ويمكن أنا كمان لسه ما فهمتوش، لكن كان في كلامه شيء خلاني أحس إن لي مكانًا في البيت ده، حتى لو كان صغيرًا في البداية.

ومع ذلك، ما قدرتش أنسى نظرة سيلين الأخيرة.

ولا طريقتها وهي بتقول إن الحقايق مهما استخبت، لازم تظهر.

كان عندي إحساس غريب إن الحكاية أكبر من مجرد عروسة هربت ليلة فرحها، وإن في سر لسه محدش قاله.

سر ممكن يغير كل حاجة.

أما ناصيف، فكان واقف قدامي بهدوئه المعتاد، وكأنه مش شايل هم أي حاجة في الدنيا.

بص لي، وابتسم ابتسامته الصغيرة اللي بقت تثير ارتباكي كل مرة، وقال:

— إيه يا أسما؟ سرحتي في إيه؟

اتوترت، ورديت بسرعة:

— ولا حاجة!

ضحك بخفة.

— ولا حاجة دي شكلها هتطلع حكاية لوحدها!

بصيت له بغيظ، لكنه اكتفى بابتسامته، وسابني واقفة أحاول أستوعب إزاي قدر في وقت قصير يخليني أضحك وأنا لسه خايفة من بكرة.

وفي اللحظة دي، فهمت إن مشكلتي مع ناصيف الهواري مش هتكون في قوته بس.

المشكلة الحقيقية إنه كل ما يقرب خطوة، يخليني أحتار أكتر: هل هقدر في يوم أشوفه من غير ما يرتبك قلبي؟ وهل هقدر أعيش معاه من غير ما أكتشف في نفسي مشاعر جديدة ما كنتش مستعدة لها؟

بصيت بعيد عنه، وقلت لنفسي إن لازم أكون أقوى، وإن قلبي مش المفروض يسبق عقلي.

لكن قلبي، كالعادة، ما كانش بيسمع كلامي.

يتبع في الفصل السادس…

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك