رواية عروس الهواري ناصيف واسما - الفصل الثالث
— إنتِ مين؟!
عمري ما تخيلت إن أول سؤال جوزي هيسألهولي ليلة فرحنا هيكون عن أنا مين أصلًا!
اتلفت ناحية الصوت بخضة، وأنا واقفة قدام المراية الكبيرة، بحاول أفك دبوس من دبابيس طرحة الفرح اللي كان متعلق بين خصلات شعري البني الطويل، واللي كان نازل على ضهري.
كان ناصيف الهواري واقف عند باب الجناح، لابس جلابيته الصعيدي البيضا، ورامي عبايته السودا على كتفه العريض بإهمال، من كتر التعب بعد الليلة الطويلة.
لكنه ما كانش مجرد واقف بيتفرج عليا!
ده كان متسمر مكانه، وعينيه متعلقة بوشي، كأنه شايف حاجة عمره ما توقع إنها تكون قدامه بالشكل ده.
عينيه السودا، اللي ما شفتش فيهم قبل كده غير الحزم والبرود، اتسعت بدهشة واضحة، وإيده فضلت ثابتة على أوكرة الباب.
اتكسفت من نظراته، ومديت إيدي بسرعة علشان آخد حجابي اللي كنت حطاه على الكرسي.
لكن صوته وقفني، وهو بيحاول يستعيد هدوءه وهيبته، كأنه بيفكر نفسه إنه ناصيف الهواري، الراجل اللي عمره ما سمح لمشاعره تسيطر عليه، ولا خلا حاجة تفقده اتزانه.
— استني يا أسما!
التفت له بارتباك.
— نعم؟!
فضل باصصلي كام لحظة، وبعدها سأل بحذر:
— أسما، صح كده؟!
عقدت حواجبي باستغراب، ورديت عليه بضيق:
— هو حضرتك اتجوزت كام واحدة النهارده غير أسما يعني؟!
ما ردش.
كل اللي عمله إنه قفل الباب وراه بالراحة، واتقدم خطوتين لجوه الأوضة.
كانت عينيه بتتنقل بين ملامح وشي وصورتي المنعكسة في المراية، كأنه بيحاول يتأكد إن البنت اللي واقفة قدامه هي نفسها اللي كان بيتكلم معاها من كام ساعة، من ورا نقاب أسود.
أما أنا، فارتباكي كان بيزيد مع كل ثانية.
أنا مش متعودة إن راجل يشوفني من غير حجابي، ولا متعودة على نظرات الإعجاب المباشرة بالشكل ده.
والأغرب إن إحساسي ما كانش بيخدعني؛ نظراته كانت واضحة لدرجة إن أي حد مكانى كان هيلاحظها.
ورغم إن ناصيف بقى جوزي على سنة الله ورسوله من كام ساعة، فإن عقلي لسه ما كانش قادر يستوعب الحقيقة دي.
رفعت حجابي على صدري، وقلت بنبرة حاولت أخليها ثابتة:
— على كل حال، أيوه، أنا أسما. محدش بدلني تاني، ما تقلقش!
ساعتها بس، ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفه.
ابتسامة غريبة، وأول مرة أشوفها على وشه.
وبعدين قال بصوت واطي:
— لا… أنا بس ما كنتش متوقع المفاجأة دي.
بصيت له بحذر وسألته:
— مفاجأة إيه؟!
ما ردش على طول.
قرب من الكرسي اللي جنب الباب، وحط عبايته عليه، وبعدها رجع بصلي تاني، وقال بمنتهى البساطة:
— إنك حورية من الجنة يا بت وهدان!
وشي اتغير في لحظة.
لساني اتعقد، وخدودي احمرت، ورجعت خطوة صغيرة لورا من شدة الكسوف.
ما كنتش متوقعة أبدًا إن الإطراء ده يطلع منه بالسرعة دي!
همست وأنا مش عارفة أقول إيه:
— هه…؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة، وكمل وهو لسه باصصلي:
— اللي يشوفك دلوقتي ما يصدقش إنك الفرسة الجامحة بتاعة الصبح!
وطيت عيني في الأرض، وكنت حاسة إن جسمي كله متوتر من الكسوف والارتباك.
لكنه كمل ببساطة:
— مختلفة…
رفعت عيني له للحظة، وهمست بصوت خافت، وأنا مش عارفة إزاي قدرت أسأل السؤال ده:
— الاختلاف ده عاجب حضرتك ولا مضايقك؟
سكت كام ثانية.
وبعدين سمعت خطواته وهو بيقرب مني شوية.
— أسما… بصيلي.
رفعت عيني له بتردد.
كان واقف على مسافة مناسبة مني، لكن قربه خلاني ألاحظ تفاصيل وشه لأول مرة بالشكل ده.
ملامحه الحادة، ودقنه السودا المتظبطة بعناية، ومناخيره المستقيمة، وعينيه السودا اللي كان جواها إحساس غريب، مش قادرة أفهمه ولا أفسره.
وبهدوء شديد، قال:
— إنتِ جميلة جدًا.
اتجمدت مكاني.
ما كنتش متوقعة إنه يقول الكلام ده بالبساطة دي!
حسيت بسخونية شديدة بتطلع لخدودي، فوطيت راسي بسرعة، وأنا مش عارفة أخبي كسوفي إزاي.
لكن قبل ما أقدر أستوعب اللي بيحصل، سمعنا خبط عنيف على الباب، كأن اللي بره بيحاولوا يخلعوه من مكانه!
اتنفضت من مكاني، وبصيت ناحية الباب بخضة.
أما ناصيف، فملامحه اتغيرت في لحظة، ورجعت الجدية لوشه كأن الابتسامة اللي كانت عليه من ثواني ما كانتش موجودة أصلًا.
جاء صوت أمه من ورا الباب، ومعاه أصوات أخته ونسوان العيلة، وكل واحدة فيهم بتتكلم بصوت أعلى من التانية.
— افتحوا الباب!
— يا ناصيف، افتح يا ولدي!
— إحنا لازم نشوف العروسة!
بصيت لناصيف بقلق، وأنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
هو كمان كان واضح عليه الضيق من الزحمة والصوت العالي، لكنه اتحرك ناحية الباب.
وقبل ما يوصل، سمعت صوت واحدة من نسوان العيلة بتقول بلهجة صعيدية حادة:
— العروسة اتبدلت يا خيتي! إش درانا إن دي كمان ما تكونش حبلة كيف أختها؟! لازم ناخد الإجراءات ونتأكدوا بنفوسنا!
اتسعت عيني من الصدمة.
حبلة زي أختها؟!
يا نهار أبيض!
هو أنا لسه داخلة بيتهم من كام ساعة، ولسه بحاول أستوعب إني بقيت مرات ناصيف الهواري، وبدل ما يسيبوني أرتاح، هبدأ حياتي معاهم بالشك والإهانات دي؟!
وفجأة، الباب اتفتح، ودخلت واحدة من نسوان العيلة بخطوات سريعة، ووراها أمه وأخته وباقي النسوان.
وقبل ما ألحق أتكلم أو أفهم هي عايزة إيه، قربت مني ومدت إيدها، وهي بتقول بحدة:
— تعالي يا خيتي، لازم نتأكدوا من كل حاجة بإيدينا!
رجعت لورا بخضة، وبصيت لناصيف، وأنا مش مصدقة إن ده بيحصل فعلًا.
أما هو، فوقف مكانه، وملامحه اتجمدت، وعينيه اتحولت من الهدوء لغضب واضح.
وبصوت جهوري هز أركان الجناح، قال:
— إنتوا اتجننتوا؟!
سكتت النسوان فجأة.
حتى اللي كانت بتمد إيدها ناحيتي وقفت مكانها.
ناصيف تقدم خطوة، ووقف بيني وبينهم، وبص لهم بنظرة خلت محدش فيهم يقدر ينطق بحرف.
وبعدين قال بلهجة حاسمة:
— دي مراتي، وفي بيتي، ومحدش له عندها حاجة من غير إذني!
أمه حاولت تتكلم:
— يا ولدي، إحنا بس عايزين نطمن…
قاطعها بحدة:
— تطمنوا على إيه؟! هو أنا جبتها من الشارع؟! دي بنت وهدان، وجوازنا تم قدام الناس وعلى سنة الله ورسوله!
أخته مهيرة بصت لي من فوق لتحت، وقالت بنبرة مليانة شك:
— بس يا أخوي، العروسة اتبدلت في آخر لحظة، ومن حقنا نفهموا اللي حصل!
ناصيف لف ناحيتها ببطء، وعينيه ضاقت وهو بيقول:
— تفهموا؟! ولا تتدخلوا في اللي مالكوش فيه؟!
مهيرة سكتت، لكن نظراتها فضلت معلقة بيا.
أما أنا، فكنت واقفة ورا ناصيف، وقلبي بيخبط بعنف.
مش عارفة أفرح إنه وقف في صفي، ولا أخاف من الطريقة اللي بيتكلم بيها مع أهله.
لكن حاجة واحدة كانت واضحة قدامي…
حياتي في بيت الهواري مش هتكون سهلة أبدًا.
والليلة اللي كنت فاكرة إنها هتكون مجرد بداية لجوازة اتفرضت عليا بسبب هروب أختي، بدأت تتحول لمواجهة أنا لسه مش عارفة نهايتها إيه!
يتبع في الفصل الرابع…